شكراً، رسالتكم قد أرسلت
١ كورنثوس ١٢:٣
تفاسير
تفسير الكتاب المقدّس - جون ماك آرثر (جون ماك آرثر)
أُرسِلَت هذه الرسالة إلى الكنيسة التي كانت في مدينة كورنثوس. فباستثناء الرسائل الشخصيَّة المُوجَّهة إلى تيموثاوس وتيطس وفليمون، تحمل جميع رسائل بولس اسم المدينة التي فيها وُجِدت الكنيسة التي وُجِّهت إليها الرسالة.
كما هو مُبيَّن في الآية الأولى، كتبَ هذه الرسالةَ بولسُ الرسول؛ وليس من شكٍّ في نسبتها إليه. فإنّ كتابة بولس لهذه الرسالة ما برحت مقبولةً بالإجماع لدى الكنيسة منذ القرن الأوَّل الذي في أثنائه سُطِّرت الرسالة. وداخليًّا، صرَّح الرسول بأنّه هو قد كتبها (١: ١ و١٣؛ ٣: ٤-٦؛ ٤: ١٥؛ ١٦: ٢١). ثمّ خارجيًّا، تمَّ الاعترافُ بأصالة هذه الرسالة منذ ٩٥ ب م من قِبَل اكليمندس الذي عاش في روما، وذلك في سياق رسالةٍ وجَّهها هو إلى الكنيسة الكورنثيَّة. ومن جُملة القادة المسيحيِّين الأوَّلين الذين أقرُّوا بصحَّة نسبة الرسالة إلى بولس: إغناطيوس (حوالى ١١٠ ب م)، وبوليكاربُس (حوالى ١٣٥ ب م) وترتليانُس (حوالى ٢٠٠ ب م).
والأرجح أنّ الرسالة كُتِبت من أفسس (١٦: ٨ و٩ و١٩) في النصف الأوَّل من ٥٥ ب م، فيما كان بولس يقوم بسفرته التبشيريَّة الثالثة. وقد نوى الرسول أن يمكث في أفسس ليُكمِلَ إقامته التي دامت ٣ سنين (أع ٢٠: ٣١) حتّى يوم الخمسين (أيّار/ حزيران) ٥٥ ب م (١٦: ٨). ثمّ رجا أن يُشتِّي (٥٥-٥٦ ب م) في كورنثوس (١٦: ٦؛ أع ٢٠: ٢). وكان انطلاقُه إلى كورنثوس مُرتقَبًا حتّى عند كتابته الرسالة (٤: ١٩؛ ١١: ٣٤؛ ١٦: ٨).
كانت مدينة كورنثوس واقعةً في جنوب اليونان، في الإقليم الذي كان يُسمّى إقليم أخائية الرومانيَّة، والذي كان يبعد ٧٢ كلم تقريبًا غربيَّ أثينا. وهذا الجزء الأسفل، شِبهُ جزيرة بيلوبونيز، يتَّصل بباقي بلاد اليونان بواسطة برزخ عرضُه ٦.٤ كلم، يحدُّه من الشرق الخليجُ السارونيُّ، ومن الغرب خليج كورنثوس. وتقع كورنثوس في منتصف البرزخ تقريبًا، بارزةً على هضبة مُسطَّحة. وعلى مدى قرون كثيرة، كانت جميع القوافل البريَّة المسافرة من الشمال إلى الجنوب مُضطرَّةً إلى المرور عبرَ هذه المدينة القديمة أو قُربَها. وبما أنّ السَّفر بحرًا حول شبه جزيرة بيلوبونيز كان يعني رحلةً طولُها ٤٠٠ كلم محفوفةً بالخطر، وتستغرق بالطبع وقتًا طويلًا، فإنّ معظم الربابنة كانوا ينقلون سُفُنَهم على مِنصَّاتٍ مُدَولبة أو بَكَراتٍ عبرَ البرزخ مرورًا بكورنثوس مباشرةً. وكان من البديهيِّ أن تزدهر كورنثوس كمدينة تجاريَّة كبرى، ليس بالنسبة إلى معظم اليونان فقط، بل أيضًا بالنسبة إلى قسمٍ كبيرٍ من منطقة المتوسِّط، يشمل أفريقيا الشماليَّة وإيطاليا وآسيا الصغرى. وقد باشر الإمبراطور نيرون حفر قناة عبر البرزخ في القرن الأوَّل ب م، ولكنّه لم يُنجَز قبل أواخر القرن التاسع عشر.
وجرَتِ العادة أن تَستضيف كورنثوسُ الألعابَ البرزخيَّة، أحَدَ الحدثَين الرياضيَّين الأشهرَين يومذاك (الآخَرُ هو الألعاب الأولمبيَّة)، ممّا سبَّب مزيدًا من ازدحام الناس. حتّى إنّ كورنثوس، بحسب معاييرِ حضارتها الوثنيَّة، صارت فاسدةً أخلاقيًّا إلى مدًى بعيد، بحيثُ بات اسمُها مُرادِفًا للفسوق والفساد الأدبيّ. وصار الفعل «تَكَرنث» يُمثِّل الانحطاط الأخلاقيَّ الشائن والفسوقَ المقترن بالسُّكر. وفي ٦: ٩ و١٠ يسرد بولس بعضًا من الخطايا المحدَّدة التي شُهِّرت بها المدينة، ووُصِم بها سابقًا كثيرون من المؤمنين في الكنيسة هناك. والمؤسِف أنّ بعضًا من أسوإ الخطايا كانت ما تزال موجودةً بين بعض أعضاء الكنيسة. وإحدى تلك الخطايا، سِفاحُ القُربى، كان يشجبُها حتّى معظمُ الأُمم الوثنيِّين (٥: ١).
ومثلَ معظمِ المدنِ اليونانيَّة القديمة، كان في كورنثوس أكروبوليس (حرفيًّا «مدينةٌ عالية») ترتفع نحو ٦٦٥م، وتُستخدم للدفاع والعبادة على السواء. وكان أبرزُ مبنًى على الأكروبوليس هيكلًا لأفروديت، إلهة الحبِّ اليونانيَّة. وقد أقامت واشتغلت هناك نحو ألفِ كاهنة، كُنَّ بغايا «متديِّنات»، وكُنَّ ينزلن إلى المدينة في المساء ليُقدِّمن خدماتهنَّ للمواطنين الذكور والزوَّار الأجنبيِّين.
أمّا الكنيسة في كورنثوس فقد أسَّسها بولس في سفرته التبشيريَّة الثانية (أع ١٨: ١ وما يلي). وكالعادة، باشر خدمته في المجمع، حيث عاونه مؤمنان يهوديّا الأصل، هما بريسكلا وأكيلا، أقام عندهما حينًا وكانا زميلين له في المهنة. بُعيدَ ذلك انضمَّ إليهم سيلا وتيموثاوس، وبدأ بولس يكرز بحماسةٍ أوفرَ بَعد. ولمَّا قاوم معظم اليهود الإنجيل، غادر المجمع، إنّما ليس قبلَ أن رجع إلى الربِّ كريسبسُ رئيسُ المجمع وعائلتُه وكورنثيُّون آخرون كثيرون (أع ١٨: ٥-٨).
وبعدما خدم بولس في كورنثوس فوقَ سنةٍ ونصف (أع ١٨: ١١)، جاء به بعضُ القادة اليهود إلى أمامِ محكمةٍ رومانيَّة. ولأنّ التُّهم كانت دينيَّة حصرًا، لا مدنيَّة، فإنّ الحاكم غاليون ردَّ الدعوى. بُعيدَ ذلك اصطحب بريسكلا وأكيلا إلى أفسس، ومن هناك رجع إلى إسرائيل (ع ١٨-٢٢).
ولمّا لم تتمكَّنِ الكنيسةُ في كورنثوس من قطع كلِّ صلةٍ لها بالحضارة التي منها خرجت، فقد عمَّها الشِّقاقُ على نحوٍ استثنائيّ، ممّا أظهر أنّها كانت جسديَّة وغيرَ ناضجة. وبعدما خدم أبلُّوس الموهوب في الكنيسة مدَّةً، أسَّست مجموعةٌ من المعجَبين به زُمرةً انعزلت عن باقي الكنيسة بصورةٍ تامَّة. كذلك نشأت فِرقةٌ أُخرى كانت مُواليةً لبولس، فيما ادَّعت فِرقةٌ أُخرى ولاءً خاصًا لبطرس (صَفَا)، وفرقةٌ أُخرى بَعدُ للمسيح وحده (رج ١: ١٠-١٣؛ ٣: ١-٩).
وقد كانت أخطرُ مُشكِلة في كنيسة الكورنثيِّين هي الروحَ العالميَّة المُتمثِّلة في عدم استعدادهم لنبذ الحضارة المحيطة بهم. فإنّ معظم المؤمنين لم يستطيعوا الانفصالَ دائمًا عن طرقهم القديمة، الأنانيَّة واللاأخلاقيَّة والوثنيَّة. وهكذا بات من الضروريِّ أن يكتب بولسُ إليهم لتصحيح الوضع، ولكي يوصيَ أيضًا المؤمنين الأُمناء ليس فقط بأن يقطعوا شركتهم مع الأعضاء غير الطائعين وغير التائبين، بل بأن يفصلوا أولئك الأعضاء من الكنيسة (٥: ٩-١٣).
وقبل كتابة هذه الرسالة الموحى بها، كان بولس قد كتب إلى الكنيسة خطابًا آخر (رج ٥: ٩) كان بطبيعته تقويميًّا أيضًا. ولأنّه لم يُعثَر قطُّ على نُسخةٍ من ذلك الخطاب، فقد أُشير إليه بصفته «الرسالة الضائعة». وقد بُعِث أيضًا بخطابٍ آخر بعدَ رسالة كورنثوس الأُولى لا يشتمل عليه قانونُ الأسفار المقدَّسة، ويُدعى عادةً: «الرسالة الصارمة» (٢كو ٢: ٤).
مع أنّ الصبغة الأساسيَّة لهذه الرسالة هي أنّها تقويميَّةٌ للسلوك أكثر منها للعقيدة، فإنّ بولس يُورِدُ تعاليمَ جوهريَّة في عدَّة عقائد ترتبط مباشرةً بشؤون الخطيَّة والبِرّ. وبطريقةٍ أو بأُخرى، فإنّ العِيشةَ الخاطئة تنشأ دائمًا عنِ المُعتقَد الخاطئ. فالخطايا الجنسيَّة مثلًا، بما فيها الطلاق، مرتبطةٌ حتمًا بمخالفة خطَّة الله بشأن الزواج والعائلة (٧: ١-٤٠). والعبادة السليمة تُحدِّدها أُمور مثل مراعاة طبيعة الله المقدَّسة (٣: ١٧) والهُويَّة الروحيَّة للكنيسة (١٢: ١٢-٢٧) والاشتراك في عشاء الربِّ بطهارة (١١: ١٧-٣٤). ولن يُتاح للكنيسة أن تُبنى بأمانة وفعاليَّة ما لم يَعِ المؤمنون مواهبَهم الروحيَّة ويُمارِسوها (١٢: ١-١٤: ٤٠). ولسنا نُبالِغُ أبدًا مهما شدَّدنا على أهميَّة عقيدة القيامة، لأنّة إن كانت قيامة الأموات غير واردة، فإنّ المسيح لم يقُم. ولو لم يقُمِ المسيح لكانت الكرازة باطلة ومثلَها الإيمان (١٥: ١٣ و١٤). فضلًا عن هذه الموضوعات، يتطرَّق بولس بإيجاز إلى محاسبة الله للمؤمنين، تلك التي إذا فُهِمَت بالشكل الصحيح، تُنشِئ دوافع صحيحة تؤدِّي إلى عِيشة التقوى (رج ٣: ١٣-١٥). كما أنّ الفهمَ الصحيحَ للأوثان والآلهة الزائفة، على وجه العموم، كان من شأنه أن يساعد المسيحيِّين غير الناضجين على التفكير بنُضج في أُمورٍ مثل أكل اللحم الذي سبق أن قُدِّم ذبائحَ للأوثان (٨: ١-١١: ١). وكذلك كان الفهمُ الصحيح للمحبَّة السماويَّة الأصيلة والتعبيرُ عنها إلزاميَّين لاستخدام المواهب الصحيحة، بل أيضًا للمعرفة الصحيحة بشأن جميع أُمور الله (١٣: ١-١٣).
وهكذا يتطرَّق بولس إلى الصليب، الحكمة الإلهيَّة والحكمة البشريَّة، عمل الروح القدس في الاستنارة، الجَسَدانيَّة، المكافآت الأبديَّة، التغيير الذي يصحب الخلاص، التقديس، طبيعة المسيح، الاتِّحاد به، الدَّور الذي رتَّبه الله للمرأة، الزواج والطلاق، معموديَّة الروح القدس، سُكنى الروح ومواهبه، وحدة الكنيسة في جسدٍ واحد، لاهوتيَّات المحبَّة، عقيدة القيامة. وهذه كُلُّها توفِّر الحقَّ الأساسيَّ لسلوك التقوى.
إنّ المسألة الأكثر جَدَلًا في التفسير هي مسألة مواهب الآيات التي يجري بحثُها في ف ١٢-١٤، ولا سيّما موهبَتَي المعجزات والتكلُّم بألسنة. فكثيرون يعتقدون أنّ جميع المواهب دائمة، بحيثُ إنّ موهبة التكلُّم بألسنة سوف تنتهي (١٣: ٨) فقط حين تُبطَلُ موهِبَتا النبوَّة والعِلم، وتحديدًا عندما يأتي ما هو كامل (ع ١٠). فأولئك الذين يقولون بأنّ الألسنة والمعجزات ما تزالان موهبتَين روحيَّتين ساريتين في الكنيسة اليوم يعتقدون أنّهما ينبغي أن تُمارسا بالقوَّة عينها التي بها مارسهما الرسلُ في أزمنة العهد الجديد. ولكنّ آخرين يعتقدون أنّ مواهب الآيات قد توقَّفت. هذا الجدل سوف يُحسَم في الحواشي المتعلِّقة بهذا الموضوع في ف ١٢-١٤.
ثمّ إنّ مسألة الطلاق مُقلِقة لكثيرين. فالأصحاح السابع يتناول هذا الموضوع، إلّا أنّه يستدعي التفسير الدقيق للإتيان بالتعليم الكتابيِّ المتماسك بشأن القضيَّة. وكذلك يلجأ دُعاةُ عموميَّة الخلاص (أي إنّ جميع البشر سوف يخلصون في النهاية) إلى استخدام ١٥: ٢٢ لدعم ذلك الرأي، زاعمين أنّه كما مات روحيًّا كلُّ كائنٍ بشريٍّ من جرّاء خطيَّة آدم، فإنّ البشر جميعًا سيخلصون كذلك تمامًا بفضل برِّ المسيح. فالحاشية على تلك الآية سوف تواجه تحدِّيَ أولئك القائلين بعُموميَّة الخلاص.
ومن الأصحاح نفسه، تُستعمَل العبارة الغامضة «يعتمدون من أجل الأموات» (ع ٢٩) للدِّفاع عن المفهوم القائل بأنّه يمكن أن يخلص الميْتُ بأن يُعمَّد نيابيًّا بواسطة مسيحيٍّ على قيد الحياة. وقدِ اقتُرِح فوقَ ٤٠ تفسيرًا لهذه المعموديَّة. إنّما بصرف النظر عن كيفيَّة تفسير تلك الآية بعينها، يتبرهن بُطلان حصول الموتى على فرصةٍ للخلاص بنُصوصٍ كتابيَّة أُخرى واضحة على نحوٍ لا يقبل الجَدَل.
وتدور مسألةٌ أقلُّ خطورةً بكثير على معنى ٦: ٤، في ما يتعلَّق بجرِّ المسيحيِّين بعضِهم بعضًا إلى المحاكمة أمام قضاة غير مؤمنين. فإنّ حلَّ هذه المسألة يكمن جوهريًّا في إطاعةِ آيةٍ أُخرى لا يعتريها أيُّ غموض.
المحتوى
أوَّلًا: مقدِّمة: دعوة القداسة وفوائدُها (١: ١-٩)
ثانيًا: شِقاقٌ في الكنيسة (١: ١٠-٤: ٢١)
أ) الحاجة إلى الوحدة (١: ١٠-٣: ٢٣)
ب) الحاجة إلى روح الخدمة (٤: ١-٢١)
ثالثًا: فسادٌ خُلقيٌّ في الكنيسة (٥: ١-٦: ٢٠)
رابعًا: الزواج في الكنيسة (٧: ١-٤٠)
خامسًا: الحريَّة في الكنيسة (٨: ١-١١: ١)
سادسًا: العبادة في الكنيسة (١١: ٢-١٤: ٤٠)
أ) دَورا الرِّجال والنساء في الكنيسة (١١: ٢-١٦)
ب) عشاءُ الربّ (١١: ١٧-٣٤)
ج) المواهب الروحيَّة (١٢: ١-١٤: ٤٠)
سابعًا: رجاءُ الكنيسة: القيامة (١٥: ١-٥٨)
ثامنًا: توصية للكنيسة (١٦: ١-٢٤)
أ) الوكالة (١٦: ١-٤)
ب) خُطَطٌ وتحيّاتٌ شخصيَّة (١٦: ٥-٢٤)
٣: ١٢ إن كان أحد يبني. هذه في المقام الأوَّل إشارةٌ إلى المبشِّرين والرُّعاة (ع ٩)، ثمّ إلى جميع المؤمنين الذين هم مدعوُّون لأنْ يبنوا الكنيسة بالخدمة الأمينة.
ذهبًا، فضَّة، حجارة كريمة. موادُّ البناء الثمينة تُمثِّل الخدمة الروحيَّة المكرَّسة في سبيل بناء الكنيسة.
خشبًا، عشبًا، قشًّا. الموادُّ الأدنى قيمةً تدلُّ ضمنيًّا على النشاط السطحيِّ الذي لا قيمةَ أبديَّةً له، وليست إشارةً إلى النشاطات التي هي شرِّيرة. (رج ح ع ١٣).
الرجاء إدخال تعليقك أو فسّر عن المشكلة التي واجهتها في الأسفل.