ENGLISH / العربية

الرجاء إدخال تعليقك أو فسّر عن المشكلة التي واجهتها في الأسفل.

شكراً، رسالتكم قد أرسلت

الآية التالية
الذهاب
:
الآية السابقة

تفاسير

فيلبي ١: ١ بُولُسُ وَتِيمُوثَاوُسُ عَبْدَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، إِلَى جَمِيعِ ٱلْقِدِّيسِينَ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ، ٱلَّذِينَ فِي فِيلِبِّي، مَعَ أَسَاقِفَةٍ وَشَمَامِسَةٍ:

فيلبّي (جون ماك آرثر)

فيلبي ‎١:‏ ١-٢

١- رسالة الفرح

فيلبي ١: ١-٢

«بُولُسُ وَتِيمُوثَاوُسُ عَبْدَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الَّذِينَ فِي فِيلِبِّي، مَعَ أَسَاقِفَةٍ وَشَمَامِسَةٍ: نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلَامٌ مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (فيلبي ١: ١-٢)

نحن نعيش عمومًا في عالَم حزين وساقط، يَعرف عن اختبار معنى اليأس، والاكتئاب، وخيبة الأمل، والاستياء، والتَوْق إلى سعادة دائمة لا تتحقَّق أبدًا. أما لحظات السرور والرضا، فشحيحة ومتناثرة في وسط ألم وحزن عام في الحياة. وكثيرون لا أمل لهم في أن يتغيَّر وضعهم في الحياة إلى الأفضل. ومع التقدُّم في السن، يزداد اليأس. وعلى الأغلب، تمتلئ سِنِيُّ العمر الطويلة بالحزن، وعدم الإنجاز، وفقدان الأحباء والأصدقاء، بل والقصور الجسدي والألم. ومثل هذه الأوقات الخالية من السعادة تُنشئ شيئًا فشيئًا حزنًا مَرَضيًّا، وتُقَلِّصْ الشعور بالرضا.

يُعَرِّف معظم الناس السعادةَ بأنها موقف يتَّسم بالرضا أو السرور، يعتمد على ظروف إيجابية خارجة عن إرادتهم إلى حدٍّ بعيد. ومن ثَمَّ، لا يمكن التخطيط للسعادة، ناهيك إذن بضمانها. لكن، يُمْكِن اختبار هذه السعادة فقط عندما تكون الظروف مواتية. ولذلك، تلك السعادة بعيدة المنال وغير يقينيَّة.

في المقابل، ليس الفرح الروحي موقف يعتمد على الصُّدفة أو الظروف، لكنه ثقة عميقة وثابتة بأنه بغضّ النظر عن الظروف، فكلُّ شيء على ما يُرام بين المؤمن والرب. فمهما كانت شدة الضيق، أو الألم، أو خيبة الأمل، أو الفشل، أو الرفض، أو أي تحدٍ آخر يواجه المرء، يظل الفرح الحقيقي باقيًا بفضل تلك السعادة الأبدية التي حقَّقتها نعمةُ الله في الخلاص. وهكذا، يوضح الكتاب المقدس جليًّا أن الفرح الكامل والأكثر دوامًا وإشباعًا هو النابع من علاقة حقيقية بالله. فهو لا يقوم على الظروف أو الصُّدف، بل هو النصيب الزاخر والدائم لكلِّ ابنٍ لله. لا عجب إذن أن يكون الفرح موضوعًا أساسيًّا في العهد الجديد. فالفعل يَفْرَح (chairō) وَرَدَ ستًّا وتسعين مرة في العهد الجديد (وهذا يشمل المرات التي استُخدم فيها للتحية)، بينما وَرَدَ الاسم فَرَح (chara) تسعًا وخمسين مرة. وهاتان الكلمتان وردتا ثلاث عشرة مرة في الرسالة إلى فيلبي.

يتميَّز الفرح بحسب اللاهوت الكتابي بعدة سمات. أولاً، الفرح عطية من الله. قال داود: «جَعَلْتَ سُرُورًا فِي قَلْبِي أَعْظَمَ مِنْ سُرُورِهِمْ إِذْ كَثُرَتْ حِنْطَتُهُمْ وَخَمْرُهُمْ. بِسَلَامَةٍ أَضْطَجِعُ بَلْ أَيْضًا أَنَامُ، لِأَنَّكَ أَنْتَ يَارَبُّ مُنْفَرِدًا فِي طُمَأْنِينَةٍ تُسَكِّنُنِي» (مزمور ٤: ٧-٨)؛ «تُعَرِّفُنِي سَبِيلَ الْحَيَاةِ. أَمَامَكَ شِبَعُ سُرُورٍ. فِي يَمِينِكَ نِعَمٌ إِلَى الْأَبَدِ» (مزمور ١٦: ١١).

ثانيًا، يعطي اللهُ الفرحَ لمن يؤمنون بالإنجيل. فعند تبشير الرعاة بميلاد المسيح، قال الملاك: «لَا تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ» (لوقا ٢: ١٠-١١). وقال يسوع لتلاميذه: «كَلَّمْتُكُمْ بِهَذَا لِكَيْ يَثْبُتَ فَرَحِي فِيكُمْ وَيُكْمَلَ فَرَحُكُمْ» (يوحنا ١٥: ١١). وقد جاء المسيح لينادي بإنجيلٍ يَهَبُ من يقبلونه مخلِّصًا وربًّا فرحًا حقيقيًّا فائقًا للطبيعة.

ثالثًا، مصدر الفرح هو الله الروح القدس. قال بولس: «لِأَنْ لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلًا وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلَامٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ» (رومية ١٤: ١٧). وكَتَبَ الرسول في رسالته إلى كنائس غلاطية: «وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ، فَرَحٌ، سَلَامٌ، طُولُ أَنَاةٍ، لُطْفٌ، صَلَاحٌ، إِيمَانٌ، وَدَاعَةٌ، تَعَفُّفٌ» (غلاطية ٥: ٢٢-٢٣).

رابعًا، يَختبر المؤمنون الفرح على أكمل وجه عندما يَقبلون كلمة الله ويطيعونها. تهلَّل النبي إرميا قائلاً: «وُجِدَ كَلَامُكَ فَأَكَلْتُهُ، فَكَانَ كَلَامُكَ لِي لِلْفَرَحِ وَلِبَهْجَةِ قَلْبِي، لِأَنِّي دُعِيتُ بِاسْمِكَ يَارَبُّ إِلَهَ الْجُنُودِ» (إرميا ١٥: ١٦). ومن أسباب كتابة الرسول يوحنا رسالته الأولى هو أن يكون فرحه وفرح قرّائه كاملًا، إذ قال: «وَنَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هَذَا لِكَيْ يَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلًا» (١يوحنا ١: ٤).

خامساً، يشتدُّ فرحُ المؤمنين عند اجتيازهم الضيقات، إذ يختبرون الواقع الفَرِح بكامله عندما يُقابَل بالحزن، والألم، والصعاب. كتب بولس إلى أهل تسالونيكي: «وَأَنْتُمْ صِرْتُمْ مُتَمَثِّلِينَ بِنَا وَبِالرَّبِّ، إِذْ قَبِلْتُمُ الْكَلِمَةَ فِي ضِيقٍ كَثِيرٍ، بِفَرَحِ الرُّوحِ الْقُدُسِ» (١تسالونيكي ١: ٦). وفي رسالته الثانية إلى مؤمني كورنثوس، قال: «كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ» (٢كورنثوس ٦: ١٠). كما نصح يعقوب المؤمنين قائلًا: «اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ» (يعقوب١: ٢)، وشجَّعهم بطرس قائلًا:

«مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الْأَمْوَاتِ، لِمِيرَاثٍ لَا يَفْنَى وَلَا يَتَدَنَّسُ وَلَا يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لِأَجْلِكُمْ، أَنْتُمُ الَّذِينَ بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ، بِإِيمَانٍ، لِخَلَاصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الْأَخِيرِ. الَّذِي بِهِ تَبْتَهِجُونَ، مَعَ أَنَّكُمُ الْآنَ - إِنْ كَانَ يَجِبُ - تُحْزَنُونَ يَسِيرًا بِتَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ» (١بطرس ١: ٣-٦)

سادساً، يكتمل فرح المؤمنين عندما يضعون رجاءهم في مجد السماء. فإن عليهم أن يكونوا دائمًا «فَرِحِينَ فِي الرَّجَاءِ» (رومية ١٢ :١٢). ذَكَّرَ بطرس قراءه قائلًا: «الَّذِي وَإِنْ لَمْ تَرَوْهُ تُحِبُّونَهُ. ذَلِكَ وَإِنْ كُنْتُمْ لَا تَرَوْنَهُ الْآنَ لَكِنْ تُؤْمِنُونَ بِهِ، فَتَبْتَهِجُونَ بِفَرَحٍ لَا يُنْطَقُ بِهِ وَمَجِيدٍ» (١بطرس ١: ٨). وحثَّهم لاحقًا في الرسالة نفسها، قائلًا: «بَلْ كَمَا اشْتَرَكْتُمْ فِي آلَامِ الْمَسِيحِ، افْرَحُوا لِكَيْ تَفْرَحُوا فِي اسْتِعْلَانِ مَجْدِهِ أَيْضًا مُبْتَهِجِينَ» (١بطرس ٤: ١٣). واختتم يهوذا رسالته الموجَزة بالبركة الجميلة التالية: «وَالْقَادِرُ أَنْ يَحْفَظَكُمْ غَيْرَ عَاثِرِينَ، وَيُوقِفَكُمْ أَمَامَ مَجْدِهِ بِلَا عَيْبٍ فِي الِابْتِهَاجِ،  الْإِلَهُ الْحَكِيمُ الْوَحِيدُ مُخَلِّصُنَا، لَهُ الْمَجْدُ وَالْعَظَمَةُ وَالْقُدْرَةُ وَالسُّلْطَانُ، الْآنَ وَإِلَى كُلِّ الدُّهُورِ. آمِينَ» (يهوذا ٢٤-٢٥).

ربما كان رباط المحبة بين بولس ومؤمني فيلبي أقوى مِن أيِّ رباط كان يربطه بأيِّ كنيسة أخرى. كان فرح بولس النابع من محبة مؤمني فيلبي له هو -إلى حدٍّ كبير- الذي جعل الفرح موضوع هذه الرسالة. فإن علاقتهم القوية بالرسول بولس شجَّعته في سجنه، وعزَّزت فرحه. صحيح أنه كان مهتمًّا باتحادهم، وأمانتهم، وبالعديد من الأمور الروحية والعملية المهمة الأخرى، لكن الاهتمام الغالب في هذه الرسالة هو أن يخفِّف حزنهم على ما يجتاز فيه من ضيقات، عندما يفرحون بأمانته للرب، وبالمكافأة العظيمة التي تنتظره في السماء. فلم يشأ بولس أن يحزنوا، بل أراد أن يشتركوا معه إلى أقصى حد في فرحه الثابت والعميق بيسوع المسيح. ومن الأدلة الجديرة بالملاحظة على نضج مؤمني فيلبي هو أنه رغم تحذير بولس وتشجيعه لهم، لم يَذكُر شيئًا عن أي مشكلات لاهوتية أو أخلاقية في كنيسة فيلبي. وذلك أيضًا سبَّب له فرحًا .

في الآيتين الأولى والثانية، وَصَفَ الرسول نفسه وتيموثاوس بأنهما عبدا يسوع المسيح، كما وَصَفَ مؤمني فيلبي بالقدِّيسين في يسوع المسيح، وقدَّم لهم التحية باسم الرب إلههم.


فيلبي ‎١:‏ ١

العبدان

«بُولُسُ وَتِيمُوثَاوُسُ عَبْدَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (١: ١أ)

«بُولُسُ» هو الرسول المحبوب الذي كتب ثلاث عشرة رسالة في العهد الجديد. ويمكن القول إنه أعظم خدام يسوع المسيح وأكثرهم تميُّزًا على الإطلاق. ومع ذلك، وَصَفَ بولس نفسه وَتِيمُوثَاوُسُ ببساطة بأنهما عَبْدَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ. لم يَذكُر شيئًا عن سلطانه الرسولي، أو عن كونه اختير لكتابة جزء من كلمة الله المكتوبة؛ لكنه كان يرى نفسه، وكلَّ مؤمن أيضًا، بشكل أساسي، عبدًا للرب.

ربما يمكن أن نرى بولس بأكبر قدر من الوضوح والإيجاز فيما كتبه هو نفسه لاحقًا في هذه الرسالة. فقد كتب عن حياته السابقة في الديانة اليهودية ما يلي:

«مَعَ أَنَّ لِي أَنْ أَتَّكِلَ عَلَى الْجَسَدِ أَيْضًا. إِنْ ظَنَّ وَاحِدٌ آخَرُ أَنْ يَتَّكِلَ عَلَى الْجَسَدِ فَأَنَا بِالْأَوْلَى. مِنْ جِهَةِ الْخِتَانِ مَخْتُونٌ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ، مِنْ جِنْسِ إِسْرَائِيلَ، مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ، عِبْرَانِيٌّ مِنَ الْعِبْرَانِيِّينَ. مِنْ جِهَةِ النَّامُوسِ فَرِّيسِيٌّ. مِنْ جِهَةِ الْغَيْرَةِ: مُضْطَهِدُ الْكَنِيسَةِ. مِنْ جِهَةِ الْبِرِّ الَّذِي فِي النَّامُوسِ: بِلَا لَوْمٍ. لَكِنْ مَا كَانَ لِي رِبْحًا، فَهَذَا قَدْ حَسِبْتُهُ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ خَسَارَةً. بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي، الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ الْأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ، وَأُوجَدَ فِيهِ، وَلَيْسَ لِي بِرِّي الَّذِي مِنَ النَّامُوسِ، بَلِ الَّذِي بِإِيمَانِ الْمَسِيحِ، الْبِرُّ الَّذِي مِنَ اللهِ بِالْإِيمَانِ. لِأَعْرِفَهُ، وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلَامِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ، لَعَلِّي أَبْلُغُ إِلَى قِيَامَةِ الْأَمْوَاتِ» (فيلبي ٣: ٤-١١).

كانت مؤهِّلات بولس البشرية لافتة للنظر. فقد كان نموذجًا للرجل اليهودي، «عِبْرَانِيٌّ مِنَ الْعِبْرَانِيِّينَ» مثاليٌّ، وتقليديٌّ، وغيور، وناموسيٌّ. وكان في نظر أقرانه بارًّا وبلا لوم. لكن بعد تجديده، رأى تلك الأشياء على حقيقتها كما يراها الله، فقال عنها إنها مجرد نفاية. فالأمور التي كان قبلًا يحسبها إيجابيات في نظر الله، أدرك فعليًّا أنها سلبيات مُدَمِّرَة. وما كان يتصوَّر سابقًا أنه بِرٌّ، كان في حقيقة الأمر إثمًا، تخلَّى عنه بسرورٍ، كي يربح البِرَّ الحقيقي الذي يأتي فقط «بِإِيمَانِ الْمَسِيحِ، الْبِرُّ الَّذِي مِنَ اللهِ بِالْإِيمَانِ» (٣: ٩).

كان تيموثاوس شريكًا في هذا البِرِّ، بصفته عبدًا مع بولس ليسوع المسيح. فهو لم يكن تلميذًا لبولس فقط، بل كان أيضًا ابنَه في الإيمان (١تيموثاوس ١: ٢)، ورفيقًا عزيزًا له. وقد ترك له الرسول بعد ذلك إرثًا روحيًّا فائقًا وخدمة رائعة. وبعد عدة سنوات، كَتَبَ بولس رسالتين إلى تيموثاوس موحى بهما: الأولى كُتبت بعد إطلاق سراح الرسول من سجنه الأول في روما، والثانية في أثناء سجنه الثاني هناك.

كلمة «عَبْدَا» هي تَرْجَمَة شائعة الاستخدام للكلمة اليونانية doulos في صيغة الجمع. تصف هذه الكلمة شخصًا مملوكًا لشخص آخر، ومن ثَمَّ خاضع له، ومعتمد عليه. واستخدمها بولس لوصف نفسه في مستهَلِّ ثلاثة من رسائله (رومية ١: ١، فيلبي ١: ١، تيطس ١: ١). وفي كل مرة، كانت الكلمة تسبق حديثه عن رسوليته. كذلك استخدمها يعقوب (يعقوب ١: ١)، وبطرس (٢بطرس ١: ١)، ويهوذا (يهوذا ١) بالطريقة نفسها.

عندما يَستخدم العهد الجديد كلمة doulos لوصف علاقة المؤمن بيسوع المسيح، فهي تعبِّر عن خدمة طوعية، وعازمة، ومخلِصة، وتعكس موقفَ ذلك العبد الذي نقرأ عنه في العهد القديم، الذي رفض فرصة الحصول على حريته، مخضعًا نفسه بإرادته من جديد لسيده مدى الحياة. فقد نصَّت شريعة موسى على أنه «إِنْ قَالَ الْعَبْدُ: أُحِبُّ سَيِّدِي وَامْرَأَتِي وَأَوْلَادِي، لَا أَخْرُجُ حُرًّا، يُقَدِّمُهُ سَيِّدُهُ إِلَى اللهِ، وَيُقَرِّبُهُ إِلَى الْبَابِ أَوْ إِلَى الْقَائِمَةِ، وَيَثْقُبُ سَيِّدُهُ أُذْنَهُ بِالْمِثْقَبِ، فَيَخْدِمُهُ إِلَى الْأَبَدِ» (خروج ٢١: ٥-٦). وفي حديث بولس عن جميع المؤمنين الأمناء، قال: «وَأَمَّا الْآنَ فَقَدْ تَحَرَّرْنَا مِنَ النَّامُوسِ، إِذْ مَاتَ الَّذِي كُنَّا مُمْسَكِينَ فِيهِ، حَتَّى نَعْبُدَ بِجِدَّةِ الرُّوحِ لَا بِعِتْقِ الْحَرْفِ» (رومية ٧: ٦). وقال لمؤمني كورنثوس: «لِأَنَّ مَنْ دُعِيَ فِي الرَّبِّ وَهُوَ عَبْدٌ، فَهُوَ عَتِيقُ الرَّبِّ. كَذَلِكَ أَيْضًا الْحُرُّ الْمَدْعُوُّ هُوَ عَبْدٌ لِلْمَسِيحِ» (١كورنثوس ٧: ٢٢).

بموجب هذا المنطق، رأى بُولُسُ وَتِيمُوثَاوُسُ أنهما عَبْدَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ فقط من المنظور الإيجابي. فهما لم يحسبا نفسهما عبدين للكنيسة، أو لروما، أو لأيِّ شخص أو مؤسسة أخرى، بل ليسوع المسيح حصريًّا. ذَكَّر بولس شيوخَ كنيسة أفسس بذلك التكريس المخلِص والثابت عندما التقى بهم بالقرب من ميليتس، قائلًا: «وَلَكِنَّنِي لَسْتُ أَحْتَسِبُ لِشَيْءٍ، وَلَا نَفْسِي ثَمِينَةٌ عِنْدِي، حَتَّى أُتَمِّمَ بِفَرَحٍ سَعْيِي وَالْخِدْمَةَ الَّتِي أَخَذْتُهَا مِنَ الرَّبِّ يَسُوعَ، لِأَشْهَدَ بِبِشَارَةِ نِعْمَةِ اللهِ» (أعمال الرسل ٢٠: ٢٤). كلُّ مؤمن مطالَب بهذا النوع من التكريس، ولا سيما المدعوِّين للخدمة. فإذا كان التكريس الأساسي لأيِّ راعٍ أو معلِّم هو لكنيسته، سيؤدِّي ذلك حتمًا إلى قدر من المساومة، والتنازلات، وخيبة الأمل، والفشل الروحي. لكنَّ التكريس ليسوع المسيح لا يمكن البتة أن يكون غير مجدٍ أو مخيبًا للآمال. وإذا اعتمدَت خدمةُ راعي الكنيسة على معايير البشر وآرائهم، سيحيد لا محالة عن الإنجيل؛ وينحدر إلى شكل من أشكال المساومة. أما تكريسه وطاعته للرب ولكلمته فسيحفظانه دائمًا في طريق التقوى والأمانة.

لم تكن قيود بولس المادية تشير إلى كونه عبدًا لروما، وإنما إلى كونه عبدًا لربِّه. فقد كان سَجْنُه في روما رمزًا لعبوديته ليسوع المسيح. وهذا هو ما أوضحه بقوله: «حَتَّى إِنَّ وُثُقِي صَارَتْ ظَاهِرَةً فِي الْمَسِيحِ فِي كُلِّ دَارِ الْوِلَايَةِ وَفِي بَاقِي الْأَمَاكِنِ أَجْمَعَ. وَأَكْثَرُ الْإِخْوَةِ، وَهُمْ وَاثِقُونَ فِي الرَّبِّ بِوُثُقِي، يَجْتَرِئُونَ أَكْثَرَ عَلَى التَّكَلُّمِ بِالْكَلِمَةِ بِلَا خَوْفٍ» (١: ١٣-١٤). فقد كان يسوع المسيح هو الوحيد الذي يحقُّ له أن يكلِّفه واجباته، وأن يسدَّ كلَّ احتياجاته. كان تكريس بولس للمسيح مماثلًا لتكريس عبيد داود الملك له: «فَقَالَ عَبِيدُ الْمَلِكِ لِلْمَلِكِ: «حَسَبَ كُلِّ مَا يَخْتَارُهُ سَيِّدُنَا الْمَلِكُ نَحْنُ عَبِيدُهُ»» (٢صموئيل ١٥ :١٥). وقال يسوع على نحو لا لبس فيه إنه «لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الْآخَرَ، أَوْ يُلَازِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الْآخَرَ. لَا تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ» (متى ٦: ٢٤). ولأن الرب إلهنا سيِّد محب، يستطيع عبيده أن يشهدوا مع بولس قائلين: «فَقَالَ لِي: «تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لِأَنَّ قُوَّتِي فِي الضَّعْفِ تُكْمَلُ». فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِالْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ الْمَسِيحِ» (٢كورنثوس ١٢: ٩).

القدِّيسون

«إِلَى جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الَّذِينَ فِي فِيلِبِّي، مَعَ أَسَاقِفَةٍ وَشَمَامِسَةٍ» (١: ١ب).

وجَّه بولس رسالته إلى جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الَّذِينَ فِي فِيلِبِّي. تُشِير كلمة hagios (الْقِدِّيسِينَ)، مثلها مثل نظيرتها العبرية qodesh، إلى شخص مُفْرَز؛ وتشير على الأخص إلى المؤمنين الذين أفرزهم الله لنفسه. وتُتَرجَم الكلمتين عادة إلى «مُقَدَّس» [holy].

للأسف، يُظَن في كثيرٍ من الأحيان أن الْقِدِّيسِينَ هم رتبة خاصة من المؤمنين عالية المستوى، وكذلك أنهم المؤمنون الذين أنجزوا أعمالًا صالحة استثنائية، وعاشوا حياة مثالية. وبحسب النظام الكاثوليكي الروماني، القدِّيسون هم أشخاص مُبَجَّلون، تطوِّبهم الكنيسة بشكلٍ رسمي، وتضمهم بعد موتهم إلى قائمة القديسين، لأنهم استوفوا متطلبات معيَّنة ومعايير صعبة. لكنَّ الكتاب المقدس يبيِّن أن جميع المؤمنين، سواء في ظل العهد العتيق أو العهد الجديد، هم قدِّيسون، مفرَزون عن الخطية لله. 

عندما أمر الله حنانيا بوضع يديه على شاول (بولس) الذي كان قد تجدَّد حديثًا، حتى يستعيد بصره، أجاب حنانيا الرب: «يَا رَبُّ، قَدْ سَمِعْتُ مِنْ كَثِيرِينَ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، كَمْ مِنَ الشُّرُورِ فَعَلَ بِقِدِّيسِيكَ فِي أُورُشَلِيمَ» (أعمال الرسل ٩: ١٣). وبعد بضع آيات، كتب لوقا: «وَحَدَثَ أَنَّ بُطْرُسَ وَهُوَ يَجْتَازُ بِالْجَمِيعِ، نَزَلَ أَيْضًا إِلَى الْقِدِّيسِينَ السَّاكِنِينَ فِي لُدَّةَ» (أعمال الرسل ٩: ٣٢). يبدو واضحًا في كلتا الحادثتين أن كلمة «الْقِدِّيسِينَ» تشير إلى جميع المؤمنين الذين كانوا في تلك المدن (راجع أفسس ١: ١، كولوسي ١: ٢). بل ويدل وصف بولس لمؤمني كورنثوس الجسديين وغير الناضجين بأنهم قديسون دون شك على أن هذا اللقب لا يمت بصلة للنضج الروحي للشخص أو لسيرته. فقد قال بولس لهم: «إِلَى كَنِيسَةِ اللهِ الَّتِي فِي كُورِنْثُوسَ، الْمُقَدَّسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الْمَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ مَعَ جَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ فِي كُلِّ مَكَانٍ، لَهُمْ وَلَنَا» (١كورنثوس ١: ٢). فمثل جميع المؤمنين الآخرين، لم يكن مؤمنو كورنثوس قديسين لنضجهم الروحي (راجع ١كورنثوس ٣: ١-٣)، بل لأنهم «الْمَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ»، وهو ما يشير إلى دعوتهم إلى الخلاص (راجع رومية ٨: ٢٩-٣٠).

جميع المؤمنين قدِّيسون، لا لأنهم هم أنفسهم أبرار، وإنما لأنهم في الْمَسِيحِ يَسُوعَ ربِّهم، الذي يُحتَسَب برُّه لهم (رومية ٤: ٢٢-٢٤). لا يمكن للبوذي أن يقول عن نفسه إنه في بوذا، أو للمسلم أن يقول عن نفسه إنه في محمد. وليس أتباع جماعة العِلم المسيحي في ماري بيكر إيدي. كما أن المورمون ليسوا في جوزيف سميث أو في بريغهام يونغ. ربما يتبع هؤلاء تعاليم ونموذج هؤلاء القادة الدينيين بأمانة، لكنهم ليسوا فيهم. المؤمنون المسيحيُّون وحدهم هم مَن يمكن وصفهم بأنهم في ربِّهم، وذلك لأنهم اتحدوا به روحيًّا (راجع رومية ٦: ١-١١). كتب بولس: «اللهُ الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا، وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ - بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ - وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ» (أفسس ٢: ٤-٦). وقال لأهل غلاطية: «مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لَا أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ» (غلاطية ٢: ٢٠). وقد وردت عبارة «في المسيح يسوع» في رسائل بولس خمسين مرة، وعبارة «في المسيح» تسعًا وعشرين مرة، وعبارة «في الرب» خمسًا وأربعين مرة. فأن يكون المؤمن فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، ومن ثَمَّ مقبولًا لدى الله، هو المصدر الأسمى لفرحه.

الأساقفة والشمامسة هم المدعوون لقيادة الكنيسة. يتضح من أعمال الرسل  ٢٠: ١٧، ٢٨، وتيطس ١: ٥، ٧ أن الأسقف هو مصطلح مكافئ لوظيفة الشيخ، وهو اللقب الأكثر شيوعًا في العهد الجديد الذي يعبِّر عن هذه الوظيفة (راجع أعمال الرسل ١١: ٣٠؛ ١٤: ٢٣؛ ١٥: ٢، ٤، ٦، ٢٣؛ يعقوب ٥: ١٤). ويسمَّى الشيوخ أيضًا بالرعاة (أعمال الرسل ٢٠: ٢٨؛ ١بطرس ٥: ١-٢)، والرعاة-المعلِّمين (أفسس ٤: ١١)، والأساقفة (راجع أعمال الرسل ٢٠: ٢٨؛ ١تيموثاوس ٣: ٢). وعُرِضت مؤهِّلاتهم العالية في ١تيموثاوس ٣: ١-٧، وتيطس ١: ٦-٩. ذُكِر مصطلح الأساقفة، أو الشيوخ، للمرة الأولى بالارتباط بأموال الإغاثة من المجاعة التي أرسلتها كنيسة أنطاكية إلى الشيوخ في اليهودية بيد برنابا وشاول (أعمال الرسل ١١: ٣٠، «الْمَشَايِخِ»). هؤلاء هم وسطاء المسيح في حُكم وإدارة الكنائس المحلية عن طريق الوعظ، والتعليم، وتقديم نموذج يُحتذى به في التقوى، والقيادة بإرشاد الروح القدس.

ومع أن دور الشمامسة يتعلَّق في المقام الأول بالخدمة العملية، وليس بالوعظ أو التعليم، لكنهم هم أيضًا مطالَبون باستيفاء معايير الشيوخ الأخلاقية والروحية العالية نفسها (١تيموثاوس ٣: ٨-١٣). والفرق بين الوظيفتين هو أن الشيوخ يجب أن يكونوا مُعَلِّمين مَهَرة (١تيموثاوس ٣: ٢، تيطس ١: ٩).

تفسير الكتاب المقدّس - جون ماك آرثر (جون ماك آرثر)

فيلبي ‎١:‏ ١-٢

١: ١ و٢ جرت العادة بأن تبدأ الرسائل في القرن الأوَّل بتحديد المُرسِل والمُرسَل إليه، مع تحيَّةٍ أساسيَّة. ولكنّ هُنا اختلافًا تجدر ملاحظتُه في كون بولس يشمل اسم تيموثاوس، لأنّ تيموثاوس كان شريكًا مهمًّا في خدمة الإنجيل ضمنَ فيلبِّي وحولَها، وشاهِدًا موثِّقًا للحقائق التي بسطها بولس.


فيلبي ‎١:‏ ١

١: ١ بولس. رج مقدِّمة رومية: الكاتب والتاريخ، رج ح أع ٩: ١. كتب بولس هذه الرسالة من سجنٍ رومانيّ (رج المقدِّمة: الكاتب والتاريخ).
تيموثاوس. إنّ تيموثاوس، ابنَ بولس المحبوبَ في الإيمان (رج مقدِّمة ١تي: الكاتب والتاريخ، أع ١٦: ١-٣)، لم يكن شريك بولس في كتابة الرسالة، بل ربما الشخصَ الذي أملاها بولس عليه. ورغم ذلك، كان لدى بولس سببٌ وجيه لتضمين اسم تيموثاوس (رج ح ع ١ و٢).
عبدَا. إشارةٌ إلى عبدٍ طوعيٍّ مرتبط بسيِّده بسرور وولاء (رج ح رو ١: ١؛ رج يع ١: ١؛ ٢بط ١: ١؛ يه ١).
القدِّيسين. رج ح ١كو ١: ٢. كان هؤلاء هم المؤمنين في الكنيسة بفيلبِّي، بمن فيهم أولئك الذين تولَّوا قيادة الجماعة.
في المسيح يسوع. هذا وصفٌ لاتِّحاد المؤمنين الفيلبيِّين بالمسيح في موته وقيامته (رج ح رو ٦: ٢-٩؛ غل ٢: ٢٠)، وهو السبب الذي من أجله أمكن أن يُدعَوا «قدِّيسين».
فيلبِّي. رج المقدِّمة: الخلفيَّة والإطار.
أساقفة. حرفيًّا «نُظَّار»؛ رج ح ١تي ٣: ١. هذا لفظٌ مُستخدَم للتشديد على المسؤوليَّات القياديَّة للذين هُم شيوخ، ويُدعَون أيضًا رُعاة. والألفاظ الثلاثة كلُّها مُستخدمة أصلاً لوصف الأشخاص أنفسهم في أع ٢٠: ٢٨ (رج ح هناك).
شمامسة. حرفيًّا «أولئك الذين يخدمون»؛ رج ح ١تي ٣: ٨.

صورة الكلام الصّحيح (.م .م)

فيلبي ‎١:‏ ١
«يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ،» القراءة المحتملة: المسيح يسوع