ENGLISH / العربية

الرجاء إدخال تعليقك أو فسّر عن المشكلة التي واجهتها في الأسفل.

شكراً، رسالتكم قد أرسلت

الآية التالية
الذهاب
:
الآية السابقة

تفاسير

فيلبي ١: ٢ نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلَامٌ مِنَ ٱللهِ أَبِينَا وَٱلرَّبِّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ.

فيلبّي (جون ماك آرثر)

فيلبي ‎١:‏ ١-٢

١- رسالة الفرح

فيلبي ١: ١-٢

«بُولُسُ وَتِيمُوثَاوُسُ عَبْدَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الَّذِينَ فِي فِيلِبِّي، مَعَ أَسَاقِفَةٍ وَشَمَامِسَةٍ: نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلَامٌ مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (فيلبي ١: ١-٢)

نحن نعيش عمومًا في عالَم حزين وساقط، يَعرف عن اختبار معنى اليأس، والاكتئاب، وخيبة الأمل، والاستياء، والتَوْق إلى سعادة دائمة لا تتحقَّق أبدًا. أما لحظات السرور والرضا، فشحيحة ومتناثرة في وسط ألم وحزن عام في الحياة. وكثيرون لا أمل لهم في أن يتغيَّر وضعهم في الحياة إلى الأفضل. ومع التقدُّم في السن، يزداد اليأس. وعلى الأغلب، تمتلئ سِنِيُّ العمر الطويلة بالحزن، وعدم الإنجاز، وفقدان الأحباء والأصدقاء، بل والقصور الجسدي والألم. ومثل هذه الأوقات الخالية من السعادة تُنشئ شيئًا فشيئًا حزنًا مَرَضيًّا، وتُقَلِّصْ الشعور بالرضا.

يُعَرِّف معظم الناس السعادةَ بأنها موقف يتَّسم بالرضا أو السرور، يعتمد على ظروف إيجابية خارجة عن إرادتهم إلى حدٍّ بعيد. ومن ثَمَّ، لا يمكن التخطيط للسعادة، ناهيك إذن بضمانها. لكن، يُمْكِن اختبار هذه السعادة فقط عندما تكون الظروف مواتية. ولذلك، تلك السعادة بعيدة المنال وغير يقينيَّة.

في المقابل، ليس الفرح الروحي موقف يعتمد على الصُّدفة أو الظروف، لكنه ثقة عميقة وثابتة بأنه بغضّ النظر عن الظروف، فكلُّ شيء على ما يُرام بين المؤمن والرب. فمهما كانت شدة الضيق، أو الألم، أو خيبة الأمل، أو الفشل، أو الرفض، أو أي تحدٍ آخر يواجه المرء، يظل الفرح الحقيقي باقيًا بفضل تلك السعادة الأبدية التي حقَّقتها نعمةُ الله في الخلاص. وهكذا، يوضح الكتاب المقدس جليًّا أن الفرح الكامل والأكثر دوامًا وإشباعًا هو النابع من علاقة حقيقية بالله. فهو لا يقوم على الظروف أو الصُّدف، بل هو النصيب الزاخر والدائم لكلِّ ابنٍ لله. لا عجب إذن أن يكون الفرح موضوعًا أساسيًّا في العهد الجديد. فالفعل يَفْرَح (chairō) وَرَدَ ستًّا وتسعين مرة في العهد الجديد (وهذا يشمل المرات التي استُخدم فيها للتحية)، بينما وَرَدَ الاسم فَرَح (chara) تسعًا وخمسين مرة. وهاتان الكلمتان وردتا ثلاث عشرة مرة في الرسالة إلى فيلبي.

يتميَّز الفرح بحسب اللاهوت الكتابي بعدة سمات. أولاً، الفرح عطية من الله. قال داود: «جَعَلْتَ سُرُورًا فِي قَلْبِي أَعْظَمَ مِنْ سُرُورِهِمْ إِذْ كَثُرَتْ حِنْطَتُهُمْ وَخَمْرُهُمْ. بِسَلَامَةٍ أَضْطَجِعُ بَلْ أَيْضًا أَنَامُ، لِأَنَّكَ أَنْتَ يَارَبُّ مُنْفَرِدًا فِي طُمَأْنِينَةٍ تُسَكِّنُنِي» (مزمور ٤: ٧-٨)؛ «تُعَرِّفُنِي سَبِيلَ الْحَيَاةِ. أَمَامَكَ شِبَعُ سُرُورٍ. فِي يَمِينِكَ نِعَمٌ إِلَى الْأَبَدِ» (مزمور ١٦: ١١).

ثانيًا، يعطي اللهُ الفرحَ لمن يؤمنون بالإنجيل. فعند تبشير الرعاة بميلاد المسيح، قال الملاك: «لَا تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: أَنَّهُ وُلِدَ لَكُمُ الْيَوْمَ فِي مَدِينَةِ دَاوُدَ مُخَلِّصٌ هُوَ الْمَسِيحُ الرَّبُّ» (لوقا ٢: ١٠-١١). وقال يسوع لتلاميذه: «كَلَّمْتُكُمْ بِهَذَا لِكَيْ يَثْبُتَ فَرَحِي فِيكُمْ وَيُكْمَلَ فَرَحُكُمْ» (يوحنا ١٥: ١١). وقد جاء المسيح لينادي بإنجيلٍ يَهَبُ من يقبلونه مخلِّصًا وربًّا فرحًا حقيقيًّا فائقًا للطبيعة.

ثالثًا، مصدر الفرح هو الله الروح القدس. قال بولس: «لِأَنْ لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلًا وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلَامٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ» (رومية ١٤: ١٧). وكَتَبَ الرسول في رسالته إلى كنائس غلاطية: «وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ، فَرَحٌ، سَلَامٌ، طُولُ أَنَاةٍ، لُطْفٌ، صَلَاحٌ، إِيمَانٌ، وَدَاعَةٌ، تَعَفُّفٌ» (غلاطية ٥: ٢٢-٢٣).

رابعًا، يَختبر المؤمنون الفرح على أكمل وجه عندما يَقبلون كلمة الله ويطيعونها. تهلَّل النبي إرميا قائلاً: «وُجِدَ كَلَامُكَ فَأَكَلْتُهُ، فَكَانَ كَلَامُكَ لِي لِلْفَرَحِ وَلِبَهْجَةِ قَلْبِي، لِأَنِّي دُعِيتُ بِاسْمِكَ يَارَبُّ إِلَهَ الْجُنُودِ» (إرميا ١٥: ١٦). ومن أسباب كتابة الرسول يوحنا رسالته الأولى هو أن يكون فرحه وفرح قرّائه كاملًا، إذ قال: «وَنَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هَذَا لِكَيْ يَكُونَ فَرَحُكُمْ كَامِلًا» (١يوحنا ١: ٤).

خامساً، يشتدُّ فرحُ المؤمنين عند اجتيازهم الضيقات، إذ يختبرون الواقع الفَرِح بكامله عندما يُقابَل بالحزن، والألم، والصعاب. كتب بولس إلى أهل تسالونيكي: «وَأَنْتُمْ صِرْتُمْ مُتَمَثِّلِينَ بِنَا وَبِالرَّبِّ، إِذْ قَبِلْتُمُ الْكَلِمَةَ فِي ضِيقٍ كَثِيرٍ، بِفَرَحِ الرُّوحِ الْقُدُسِ» (١تسالونيكي ١: ٦). وفي رسالته الثانية إلى مؤمني كورنثوس، قال: «كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ» (٢كورنثوس ٦: ١٠). كما نصح يعقوب المؤمنين قائلًا: «اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ» (يعقوب١: ٢)، وشجَّعهم بطرس قائلًا:

«مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الْأَمْوَاتِ، لِمِيرَاثٍ لَا يَفْنَى وَلَا يَتَدَنَّسُ وَلَا يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لِأَجْلِكُمْ، أَنْتُمُ الَّذِينَ بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ، بِإِيمَانٍ، لِخَلَاصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الْأَخِيرِ. الَّذِي بِهِ تَبْتَهِجُونَ، مَعَ أَنَّكُمُ الْآنَ - إِنْ كَانَ يَجِبُ - تُحْزَنُونَ يَسِيرًا بِتَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ» (١بطرس ١: ٣-٦)

سادساً، يكتمل فرح المؤمنين عندما يضعون رجاءهم في مجد السماء. فإن عليهم أن يكونوا دائمًا «فَرِحِينَ فِي الرَّجَاءِ» (رومية ١٢ :١٢). ذَكَّرَ بطرس قراءه قائلًا: «الَّذِي وَإِنْ لَمْ تَرَوْهُ تُحِبُّونَهُ. ذَلِكَ وَإِنْ كُنْتُمْ لَا تَرَوْنَهُ الْآنَ لَكِنْ تُؤْمِنُونَ بِهِ، فَتَبْتَهِجُونَ بِفَرَحٍ لَا يُنْطَقُ بِهِ وَمَجِيدٍ» (١بطرس ١: ٨). وحثَّهم لاحقًا في الرسالة نفسها، قائلًا: «بَلْ كَمَا اشْتَرَكْتُمْ فِي آلَامِ الْمَسِيحِ، افْرَحُوا لِكَيْ تَفْرَحُوا فِي اسْتِعْلَانِ مَجْدِهِ أَيْضًا مُبْتَهِجِينَ» (١بطرس ٤: ١٣). واختتم يهوذا رسالته الموجَزة بالبركة الجميلة التالية: «وَالْقَادِرُ أَنْ يَحْفَظَكُمْ غَيْرَ عَاثِرِينَ، وَيُوقِفَكُمْ أَمَامَ مَجْدِهِ بِلَا عَيْبٍ فِي الِابْتِهَاجِ،  الْإِلَهُ الْحَكِيمُ الْوَحِيدُ مُخَلِّصُنَا، لَهُ الْمَجْدُ وَالْعَظَمَةُ وَالْقُدْرَةُ وَالسُّلْطَانُ، الْآنَ وَإِلَى كُلِّ الدُّهُورِ. آمِينَ» (يهوذا ٢٤-٢٥).

ربما كان رباط المحبة بين بولس ومؤمني فيلبي أقوى مِن أيِّ رباط كان يربطه بأيِّ كنيسة أخرى. كان فرح بولس النابع من محبة مؤمني فيلبي له هو -إلى حدٍّ كبير- الذي جعل الفرح موضوع هذه الرسالة. فإن علاقتهم القوية بالرسول بولس شجَّعته في سجنه، وعزَّزت فرحه. صحيح أنه كان مهتمًّا باتحادهم، وأمانتهم، وبالعديد من الأمور الروحية والعملية المهمة الأخرى، لكن الاهتمام الغالب في هذه الرسالة هو أن يخفِّف حزنهم على ما يجتاز فيه من ضيقات، عندما يفرحون بأمانته للرب، وبالمكافأة العظيمة التي تنتظره في السماء. فلم يشأ بولس أن يحزنوا، بل أراد أن يشتركوا معه إلى أقصى حد في فرحه الثابت والعميق بيسوع المسيح. ومن الأدلة الجديرة بالملاحظة على نضج مؤمني فيلبي هو أنه رغم تحذير بولس وتشجيعه لهم، لم يَذكُر شيئًا عن أي مشكلات لاهوتية أو أخلاقية في كنيسة فيلبي. وذلك أيضًا سبَّب له فرحًا .

في الآيتين الأولى والثانية، وَصَفَ الرسول نفسه وتيموثاوس بأنهما عبدا يسوع المسيح، كما وَصَفَ مؤمني فيلبي بالقدِّيسين في يسوع المسيح، وقدَّم لهم التحية باسم الرب إلههم.


فيلبي ‎١:‏ ٢

التحية

«نعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلَامٌ مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (١: ٢)

استخدم بولس هذه التحية المعتادة في العديد من رسائله إلى الكنائس (رومية ١: ٧؛ ١كورنثوس ١: ٣؛ ٢كورنثوس ١: ٢؛ أفسس ١: ٢؛ كولوسي ١: ٢-٣؛ ٢تسالونيكي ١: ٢)، وكذلك في رسالة شخصية واحدة (فليمون ٣). وهي تعبير عن محبة الرسول العميقة للمؤمنين، حتى غير الناضجين منهم في كورنثوس الذين سبَّبوا له حزنًا شديدًا. لكن لا بد أن بولس شعر بفرح عميق وامتنان من نوع خاص لأجل القديسين في فيلبي، الذين جلبوا له رضًا وتعزية غير مسبوقين، على عكس مؤمني كورنثوس.

النعمة المُخَلِّصة الأبدية التي توهَب للخطاة التائبين والمؤمنين هي أسمى العطايا الإلهية. والسلام الأبدي هو أعظم بركات هذه النعمة. وكلاهما مصدره اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. تُعَبِّر هذه التحية عن ثبات محبة بولس للمؤمنين الأُمَنَاء في فيلبي واهتمامه بهم. وهي بمثابة مقدِّمة لأسباب الفرح المحدَّدة الكثيرة التي ذكرها بولس عبر تلك الرسالة التي تُعَد أرقَّ رسائله على الإطلاق.

هذا الربط الشائع في تحيات رسائل العهد الجديد بين اللهِ أَبِينَا، والرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ يشدِّد بصورة متكرِّرة على وحدانية جوهر الأقنومين (رومية ١: ٧؛ ١كورنثوس ١: ٣، ٩؛ ٢كورنثوس ١: ٢-٣؛ غلاطية ١: ١، ٣؛ أفسس ١: ١-٢؛ فيلبي ١: ٢؛ كولوسي ١: ٣؛ ١تسالونيكي ١: ١، ٣؛ ١تيموثاوس ١: ١-٢؛ ٢تيموثاوس ١: ٢؛ تيطس ١: ٤؛ فليمون ٣؛ عبرانيين ١: ١-٣؛ يعقوب ١: ١؛ ١بطرس ١: ٣؛ ٢بطرس ١: ١-٢؛ ١يوحنا ١: ٣؛ ٢يوحنا ٣؛ يهوذا ١). فالله الآب واحد في جوهره الإلهي مع الرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. والتشديد على تلك المساواة يُثبت ألوهية ربِّنا يسوع، تلك الألوهية التي هي الحق المحوري والأساسي للديانة المسيحية.

تفسير الكتاب المقدّس - جون ماك آرثر (جون ماك آرثر)

فيلبي ‎١:‏ ١-٢

١: ١ و٢ جرت العادة بأن تبدأ الرسائل في القرن الأوَّل بتحديد المُرسِل والمُرسَل إليه، مع تحيَّةٍ أساسيَّة. ولكنّ هُنا اختلافًا تجدر ملاحظتُه في كون بولس يشمل اسم تيموثاوس، لأنّ تيموثاوس كان شريكًا مهمًّا في خدمة الإنجيل ضمنَ فيلبِّي وحولَها، وشاهِدًا موثِّقًا للحقائق التي بسطها بولس.


فيلبي ‎١:‏ ٢

١: ٢ نعمة... سلام. تحيَّة بولس المعهودة (رج ح رو ١: ٧)، وقد ذكَّرت المؤمنين بعلاقتهم بالله.