شكراً، رسالتكم قد أرسلت
فيلبي ٢١:١
تفاسير
فيلبّي (جون ماك آرثر)
٥-فرح الخدمة
الجزء الثاني: رغم الموت والجسد
(فيلبي ١: ١٩-٢٦)
«لأَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ هذَا يَؤُولُ لِي إِلَى خَلاَصٍ بِطَلْبَتِكُمْ وَمُؤَازَرَةِ رُوحِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، حَسَبَ انْتِظَارِي وَرَجَائِي أَنِّي لاَ أُخْزَى فِي شَيْءٍ، بَلْ بِكُلِّ مُجَاهَرَةٍ كَمَا فِي كُلِّ حِينٍ، كَذلِكَ الآنَ، يَتَعَظَّمُ الْمَسِيحُ فِي جَسَدِي، سَوَاءٌ كَانَ بِحَيَاةٍ أَمْ بِمَوْتٍ. لأَنَّ لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ. وَلكِنْ إِنْ كَانَتِ الْحَيَاةُ فِي الْجَسَدِ هِيَ لِي ثَمَرُ عَمَلِي، فَمَاذَا أَخْتَارُ؟ لَسْتُ أَدْرِي! فَإِنِّي مَحْصُورٌ مِنْ الاثْنَيْنِ: لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا. وَلكِنْ أَنْ أَبْقَى فِي الْجَسَدِ أَلْزَمُ مِنْ أَجْلِكُمْ. فَإِذْ أَنَا وَاثِقٌ بِهذَا أَعْلَمُ أَنِّي أَمْكُثُ وَأَبْقَى مَعَ جَمِيعِكُمْ لأَجْلِ تَقَدُّمِكُمْ وَفَرَحِكُمْ فِي الإِيمَانِ، لِكَيْ يَزْدَادَ افْتِخَارُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ فِيَّ، بِوَاسِطَةِ حُضُورِي أَيْضًا عِنْدَكُمْ» (فيلبي ١: ١٩-٢٦)
رغم الضيقات، والأحزان، والآلام التي اجتازها بولس (راجع ٢كورنثوس ١١: ٢٣-٣٣)، كانت خدمته مصدر فرحٍ له. وفي هذا القسم من الرسالة إلى فيلبي ناقش بولس أربع مشكلات كان من الممكن أن تسلبه فرحه، وهي: الضيق، والمنتقدون، والموت، والجسد. تناولنا المشكلتين الأولى والثانية (الضيق [وُثُق بولس]، والمنتقدون [أولئك الكارزون الذين سعوا إلى الارتقاء بأنفسهم على حساب بولس]) في الفصل الرابع من هذا الكتاب. ثم هنا، يكشف لنا الرسول أن التهديد بموت وشيك، وأحزان العيش في الجسد لم يقدر كلاهما أيضًا أن يسلباه فرحه.
رغم الموت - ما دام الرب يتعظَّم
«لأَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ هذَا يَؤُولُ لِي إِلَى خَلاَصٍ بِطَلْبَتِكُمْ وَمُؤَازَرَةِ رُوحِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، حَسَبَ انْتِظَارِي وَرَجَائِي أَنِّي لاَ أُخْزَى فِي شَيْءٍ، بَلْ بِكُلِّ مُجَاهَرَةٍ كَمَا فِي كُلِّ حِينٍ، كَذلِكَ الآنَ، يَتَعَظَّمُ الْمَسِيحُ فِي جَسَدِي، سَوَاءٌ كَانَ بِحَيَاةٍ أَمْ بِمَوْتٍ. لأَنَّ لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ» (فيلبي ١: ١٩-٢١)
لم يكن بولس مكترثًا حقًّا سواء بكونه مسجونًا، أو بتعرُّضه للقذف والتشهير به، أو بالحكم المحتمَل بالإعدام الذي ينتظره، ما دام إنجيل المسيح الذي يقود إلى الخلاص يُكرَز به. فقد كان واثقًا تمامًا من أن عمل الرب سينتصر رغم الظروف السيئة. ولذلك، أمكنه مواجهة الموت دون خوف. وفي الآيات ١٩-٢١، ذكر بولس خمس حقائق بُنِيت عليها هذه الثقة، وهي: تعاليم الرب (الآية ١٩أ)؛ وصلوات القديسين (الآية ١٩ب)؛ ومؤازرة الروح القدس (الآية ١٩ج)؛ ووعد المسيح (الآية ٢٠أ)؛ وخطة الله (الآيتين ٢٠ب-٢١).
الثقة في خطة الله
«سَوَاءٌ كَانَ بِحَيَاةٍ أَمْ بِمَوْتٍ. لأَنَّ لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ» (١: ٢٠ب- ٢١)
لم يكن بولس يعلَم يقينًا خطة الله له؛ وما إن كان سيستمر في خدمة الله وتمجيده من خلال حياته وخدمته، أم كان سيمجِّده بالموت. ففي كلتا الحالتين ستتم مشيئة الرب وتتحقق خطته بالكامل.
قال بولس لشيوخ أفسس الذين التقوا به على شاطئ البحر بالقرب من ميليتس، بصراحةٍ وعلى نحو لا لبس فيه: «وَلكِنَّنِي لَسْتُ أَحْتَسِبُ لِشَيْءٍ، وَلاَ نَفْسِي ثَمِينَةٌ عِنْدِي، حَتَّى أُتَمِّمَ بِفَرَحٍ سَعْيِي وَالْخِدْمَةَ الَّتِي أَخَذْتُهَا مِنَ الرَّبِّ يَسُوعَ، لأَشْهَدَ بِبِشَارَةِ نِعْمَةِ اللهِ» (أعمال الرسل ٢٠: ٢٤). وبعد فترة وجيزة، قال للمؤمنين في قيصرية، الذين أزعجتهم نبوَّة أغابوس عن اعتقال بولس الوشيك: «مَاذَا تَفْعَلُونَ؟ تَبْكُونَ وَتَكْسِرُونَ قَلْبِي، لأَنِّي مُسْتَعِدٌّ لَيْسَ أَنْ أُرْبَطَ فَقَطْ، بَلْ أَنْ أَمُوتَ أَيْضًا فِي أُورُشَلِيمَ لأَجْلِ اسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ» (أعمال الرسل ٢١: ١٣). كما ذكَّر المؤمنين في رومية بأن «لَيْسَ أَحَدٌ مِنَّا يَعِيشُ لِذَاتِهِ، وَلاَ أَحَدٌ يَمُوتُ لِذَاتِهِ. لأَنَّنَا إِنْ عِشْنَا فَلِلرَّبِّ نَعِيشُ، وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَمُوتُ. فَإِنْ عِشْنَا وَإِنْ مُتْنَا فَلِلرَّبِّ نَحْنُ. لأَنَّهُ لِهذَا مَاتَ الْمَسِيحُ وَقَامَ وَعَاشَ، لِكَيْ يَسُودَ عَلَى الأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ» (رومية ١٤: ٧-٩). فسواء عاش الرسول أو مات، أمكنه أن يقول ما قاله لتيموثاوس بعد ذلك ببضع سنوات: «فَإِنِّي أَنَا الآنَ أُسْكَبُ سَكِيبًا، وَوَقْتُ انْحِلاَلِي قَدْ حَضَرَ. قَدْ جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ، حَفِظْتُ الإِيمَانَ» (٢تيموثاوس ٤: ٦-٧). ففي كلتا الحالتين سيكون منتصرًا وسيتعظم المسيح.
العبارة اليونانية التي تُرجمت إلى «لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ» لا تحوي أيَّ فعل. فهي تُقرأ حرفيًّا على النحو التالي: «الحياة المسيح، والموت ربح». كان بولس يَعلَم جيدًا أن الحياة هِيَ الْمَسِيحُ، لأنه سيظل يخدمه ما دام على قيد الحياة. وكان يَعلم أيضًا أن الموت ربحٌ، لأنه حينئذٍ سيكون في محضر الله قادرًا على أن يعبده ويخدمه في كمالٍ مقدس (راجع الآية ٢٣). كان بولس يدرك تمامًا أن الثروة، والسلطة، والنفوذ، والممتلكات، والجاه، والمكانة الاجتماعية، والصحة الجيدة، والنجاح المهني، والأمور الأخرى من هذا القبيل كافة ليست سوى أمور عابرة ووقتيَّة. يقرُّ الكثيرون بتلك الحقيقة، غير أنهم لا يسلكون وفقًا لإقرارهم هذا. فقليلون هم الذين بإمكانهم أن يقولوا بهذا الصدق وهذه الجديّة المطلقة التي تكلَّم بها بولس: «لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ».
كان هذا الرسول منشغلًا تمامًا بكلِّ كيانه بربِّه ومخلِّصه يسوع الْمَسِيحُ. فقد كان يثق به، ويحبُّه، ويخدمه، ويشهد له. وفي كلِّ شيء، كان مكرَّسًا له ومتكلًا عليه. وكان رجاؤه الوحيد، وهدفه الوحيد، والسبب الوحيد الذي يحيا لأجله هو المسيح. فقد سافر لأجل المسيح، وكرز لأجل المسيح ، واضطُهِد وسُجِنَ لأجل المسيح. وفي النهاية، سوف يموت لأجل المسيح. لكن بنعمة الله العجيبة، حتى الموت نفسه كان لبولس في النهاية ربحًا أبديًّا.
تفسير الكتاب المقدّس - جون ماك آرثر (جون ماك آرثر)
١: ٢١ لي الحياة هي المسيح. بالنسبة إلى بولس، تُلخَّص الحياة في يسوع المسيح؛ فإنّ المسيح كان سبب وجوده. رج ح ٣: ١٢-١٤.
الموت هو ربح. من شأن الموت أن يُريحه من الأثقال الأرضيَّة ويدعه يُركِّز كليًّا على تمجيد الله (رج ح ع ٢٣ و٢٤؛ رج أع ٢١: ١٣).
الرجاء إدخال تعليقك أو فسّر عن المشكلة التي واجهتها في الأسفل.