شكراً، رسالتكم قد أرسلت
فيلبي ٣:١
تفاسير
فيلبّي (جون ماك آرثر)
٢- عناصر الفرح
فيلبي ١: ٣-٨
«أَشْكُرُ إِلهِي عِنْدَ كُلِّ ذِكْرِي إِيَّاكُم دَائِمًا فِي كُلِّ أَدْعِيَتِي، مُقَدِّمًا الطَّلْبَةَ لأَجْلِ جَمِيعِكُمْ بِفَرَحٍ، لِسَبَبِ مُشَارَكَتِكُمْ فِي الإِنْجِيلِ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ إِلَى الآنَ. وَاثِقًا بِهذَا عَيْنِهِ أَنَّ الَّذِي ابْتَدَأَ فِيكُمْ عَمَلاً صَالِحًا يُكَمِّلُ إِلَى يَوْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. كَمَا يَحِقُّ لِي أَنْ أَفْتَكِرَ هذَا مِنْ جِهَةِ جَمِيعِكُمْ، لأَنِّي حَافِظُكُمْ فِي قَلْبِي، فِي وُثُقِي، وَفِي الْمُحَامَاةِ عَنِ الإِنْجِيلِ وَتَثْبِيتِهِ، أَنْتُمُ الَّذِينَ جَمِيعُكُمْ شُرَكَائِي فِي النِّعْمَةِ. فَإِنَّ اللهَ شَاهِدٌ لِي كَيْفَ أَشْتَاقُ إِلَى جَمِيعِكُمْ فِي أَحْشَاءِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (فيلبي ١: ٣-٨)
ثمة يقيِّم اختبار شهير للاكتئاب الناس بمقياس من واحد إلى عشرة. وكلما زادت النتيجة، كان الاكتئاب أشد حدة. لو حدث أن خضع الرسول بولس لهذا الاختبار، لكانت النتيجة بلا شك صفر، وذلك لأن فرحه كان كاملًا، يتعذَّر كبحه. فمثل كاتب المزمورين ٤٢ و٤٣، عرف بولس كيف يتغلَّب على الاكتئاب، والتوتر، والقلق (راجع مزمور ٤٢: ٥، ١١؛ ٤٣: ٥).
ومع ذلك، كانت ظروف بولس عصيبة وقت كتابة هذه الرسالة. فقد كان مسجونًا في روما، ينتظر على الأرجح حُكمًا بالإعدام. صحيح أنه خرج من هذا السجن لاحقًا، لكنه لم يكن متيقنًا من حدوث ذلك وقت كتابة الرسالة إلى فيلبي. وكان رهن الإقامة الجبرية (أعمال الرسل ٢٨: ٢٣، ٣٠)، مقيَّدًا بسلاسل إلى عسكري روماني (أعمال الرسل ٢٨: ١٦) لمنع أي احتمال للهرب. وفي هذا السجن، ذَبُلَ بولس، إذا كان عاجزًا عن القيام بالعمل الذي يحبه، فيما استغل آخرون وضعه ليكرزوا بالإنجيل عن حسد وخصام (١: ١٥-١٧). ومع ذلك، فاض قلبه بالفرح (١: ١٨). وفي واقع الأمر، زادت هذه الظروف الصعبة فرح بولس كثيرًا، لأنه كان واثقًا في قصد الرب السيادي، فلجأ إليه أكثر طالبًا القوة والتعزية.
ليس الفرح الحقيقي عاطفة مؤقتة وعابرة تأتي وتمضي حسب الظروف، لكنه شيء ثابت لا يتزعزع في الحياة الممتلئة بالروح بالقدس (راجع رومية ١٤: ١٧). ولأن بولس كان قريبًا من الله طوال الوقت، كان فرِحًا على الدوام. وقد اختبر في أعماق قلبه وروحه سلامًا يفوق الوصف (٤: ٧)، واكتفاء (٤: ١١)، مستمدَّين من الروح القدس، إذ كان ضميره صالحًا وبلا عثرة من نحو الله (أعمال الرسل ٢٣: ١؛ ٢٤: ١٦؛ ٢كورنثوس ١: ١٢؛ ٢تيموثاوس ١: ٣).
لم تكن كنيسة فيلبي كنيسة مثالية، لكن بالمقارنة بمعظم الكنائس الأخرى التي كان بولس على صلة بها، لم تكن لديهم مشاكل أخلاقية أو روحية كبرى. فقد حثَّهم بولس قائلًا: «عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، حَتَّى إِذَا جِئْتُ وَرَأَيْتُكُمْ، أَوْ كُنْتُ غَائِبًا أَسْمَعُ أُمُورَكُمْ أَنَّكُمْ تَثْبُتُونَ فِي رُوحٍ وَاحِدٍ، مُجَاهِدِينَ مَعًا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ لإِيمَانِ الإِنْجِيلِ» (١: ٢٧). وبعد بضع آيات، أوصاهم: «فَتَمِّمُوا فَرَحِي حَتَّى تَفْتَكِرُوا فِكْرًا وَاحِدًا وَلَكُمْ مَحَبَّةٌ وَاحِدَةٌ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، مُفْتَكِرِينَ شَيْئًا وَاحِدًا، لاَ شَيْئًا بِتَحَزُّبٍ أَوْ بِعُجْبٍ، بَلْ بِتَوَاضُعٍ، حَاسِبِينَ بَعْضُكُمُ الْبَعْضَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. لاَ تَنْظُرُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لآخَرِينَ أَيْضًا» (٢: ٢-٤). وفي جزء لاحق، أوصاهم أيضًا: «اِفْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ بِلاَ دَمْدَمَةٍ وَلاَ مُجَادَلَةٍ، لِكَيْ تَكُونُوا بِلاَ لَوْمٍ، وَبُسَطَاءَ، أَوْلاَدًا ِللهِ بِلاَ عَيْبٍ فِي وَسَطِ جِيل مُعَوَّجٍ وَمُلْتَوٍ، تُضِيئُونَ بَيْنَهُمْ كَأَنْوَارٍ فِي الْعَالَمِ» (٢: ١٤-١٥). وفي الأصحاح الرابع، حثَّ أفودية وسنتيخي، اللتين من الواضح أنه كان بينهما خلاف غير محسوم، على «أَنْ تَفْتَكِرَا فِكْرًا وَاحِدًا فِي الرَّبِّ» (الآية ٢). ثم حثَّ الكنيسة بكاملها على ألا يهتموا «بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ [طلباتهم] لَدَى اللهِ» (الآية ٦). لكن، كانت تلك التحريضات أقرب إلى التشجيع أكثر من كونها توبيخًا.
فعندما فكَّر بولس في هذه الكنيسة المحبوبة التي كان يكتب إليها فاض فرحه. فهو لم يفكر في ظروفه بقدر تفكيره في أمانتهم (١: ٣-٥)، ولم يفكر في ضيقاته بقدر تفكيره في محبتهم (٢: ١-٢)، ولم يفكر في آلامه الجسدية بقدر تفكيره في ثباتهم الروحي (٢: ١٢-١٦). كذلك، فكَّر بولس في سخائهم غير الأناني عندما أرسلوا الدعم المادي إليه (٤: ١٤-١٦)، وفي «تقدُّمهم وفرحهم في الإيمان» (١: ٢٥)، وكذلك في «[إخوته] الأَحِبَّاءَ والمُشْتَاقَ إِلَيْهِم، [سروره وإكليله]» (٤: ١). ولذلك، أمكنه أن يقول بصدق تام: «أَشْكُرُ إِلهِي عِنْدَ كُلِّ ذِكْرِي إِيَّاكُمْ» (١: ٣).
وفي فيلبي ١: ٣-٨، قدَّم الرسول خمسة عناصر محدَّدة لفرحه الذي مصدره الروح القدس، من حيث علاقة هذا الفرح بالمؤمنين الآخرين، وسلَّط الضوء على فرح التذكُّر (الآية ٣)، وفرح التشفُّع (الآية ٤)، وفرح المشاركة (الآية ٥)، وفرح التوقُّع (الآية ٦)، وفرح المحبة (الآيتان ٧-٨).
فرح التذكُّر
«أَشْكُرُ إِلهِي عِنْدَ كُلِّ ذِكْرِي إِيَّاكُمْ» (١: ٣)
يأتي الفعل «أَشْكُرُ» من الفعل اليوناني eucharisteō الذي تأتي منه كلمة «الإفخارستيا»، وهو الاسم الذي يشير عادة إلى العشاء الرباني. ففي تلك الفريضة، يشكر المؤمنون الله متذكِّرين ذبيحة المسيح البدليَّة على الصليب. وفي هذه الآية، قدَّم بولس شكرًا لأجل إخوته وأخواته الروحيين في فيلبي، الذين على مرِّ السنين سبَّبوا له وفرة من البركة والفرح.
تعكس كلمة «إِلهِي» علاقة بولس الحميمية وشركته العميقة مع الربِّ، الذي ينتمي إليه بولس ويعبده (أعمال الرسل ٢٧: ٢٣). شكر بولس الله على مؤمني فيلبي، مشدِّدًا بذلك على أن الرب هو المصدر الأساسي لكلِّ فرح، وكذلك على أن علاقة مؤمني فيلبي بالله بواسطة المسيح هي التي دفعت بولس إلى أن يشكر الله. أعرب بولس عن شكرٍ مماثلٍ لأجل المؤمنين في كورنثوس (١كورنثوس ١: ٤)، وفي كولوسي (كولوسي ١: ٣)، وفي تسالونيكي (١تسالونيكي ١: ٢؛ راجع ٢: ١٣)؛ وكذلك لأجل تيموثاوس (٢تيموثاوس ١: ٣)، وفليمون (فليمون ٤)، شريكيه في الخدمة.
ابتدأ ذِكر بولس لمؤمني فيلبي من رحلته التبشيرية الثانية، عندما جاء أول مرة إلى فيلبي. فقد أرشده الروح القدس تحديدًا إلى الذهاب إلى مكدونية (المقاطعة التي تقع فيها مدينة فيلبي) بدلًا من بِثِينِيَّةَ، التي كان بولس وسيلا ينويان الذهاب إليها (أعمال الرسل ١٦: ٧-١٠). وفي يوم سبت، خرجا إلى خارج المدينة عند ضفة النهر، حيث توقَّعا أن يجدا متعبِّدين من اليهود (من الواضح أنه لم يكن يوجد عدد كافٍ من الرجال اليهود في فيلبي لإقامة مجمع يهودي). وكان الحاضرون هناك مجرد مجموعة من النساء المصلِّيات. وكانت إحدى النساء، وهي ليدية، «مُتَعَبِّدَةٌ للهِ»، أي أنها أممية اعتنقت الديانة اليهودية. ففتح الرب قلبها لتؤمن بالمسيح. وعندما سمعت الإنجيل، اعتمدت مع أهل بيتها الذين آمنوا أيضًا، ثم ألزمت بولس والذين معه بأن ينزلوا ضيوفًا عندها (أعمال الرسل ١٦: ١٣-١٥). وكانت ليدية وأهل بيتها أول مَن اعتنقوا المسيحية في أوروبا. وأصبحوا نواة أول كنيسة في تلك المقاطعة. وما أظهروه من كرم الضيافة صار السمة التي ميَّزت تلك الكنيسة لسنوات كثيرة قادمة.
من المؤكَّد أنه كانت في ذاكرة بولس أيضًا تلك الجارية الشابة في فيلبي، التي كان بها روح عرافة، وكانت تجلب لأسيادها ثروة كبيرة من وراء العرافة. فقد ظلت تلاحق الرسول ورفاقه أيامًا كثيرة، و«صَرَخَتْ قَائِلَةً: ‹هؤُلاَءِ النَّاسُ هُمْ عَبِيدُ اللهِ الْعَلِيِّ، الَّذِينَ يُنَادُونَ لَكُمْ بِطَرِيقِ الْخَلاَصِ›. فَضَجِرَ بُولُسُ وَالْتَفَتَ إِلَى الرُّوحِ وَقَالَ: ‹أَنَا آمُرُكَ بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا!› فَخَرَجَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ» (أعمال الرسل ١٦: ١٦-١٨). ومع أن لوقا لم يَذكر ذلك صراحةً في سفر أعمال الرسل، لكن من المحتمل أن تكون هذه الجارية قد اختبرت، مثل ليدية، الميلاد الثاني، وصارت أختًا في المسيح، يَذكُرها بولس الآن باعتزاز.
ربما تذكَّر بولس أيضًا الفترة التي أمضاها في سجن فيلبي، بسبب أسياد تلك الجارية الذين فقدوا مصدر دخل كبير، فحرَّضوا سكان المدينة ضده وضد سيلا (أعمال الرسل ١٦: ١٩-٢٣). ولم يكتفِ الرب بمنح بولس وسيلا سلامًا وفرحًا رغم قيودهما، واضعًا الترانيم في قلبيهما (أعمال الرسل ١٦: ٢٥)، لكنه استخدم سَجنهما أيضًا لخلاص السجّان وأهل بيته (أعمال الرسل ١٦: ٢٦-٣٤). وعندما كان بولس وسيلا في طريقهما للخروج من المدينة بعد إطلاق سراحهما من السجن، ذهبا إلى منزل ليدية للمرة الأخيرة، وشجَّعهما ذلك العدد الكبير من المؤمنين الذين جاءوا لتوديعهما (أعمال الرسل ١٦: ٤٠).
ولا بد أن بولس تذكَّر أيضًا أنه بعدما غادر مكدونية، كانت كنيسة فيلبي هي الكنيسة الوحيدة التي ساندته ماليًّا (فيلبي ٤: ١٥-١٦). وتَواصَل سخاء أولئك المؤمنين الأوفياء من خلال إسهامهم في التبرُّعات التي جمعها بولس لإعانة المؤمنين الفقراء في أورشليم (٢كورنثوس ٨: ١-٥).
إن الرغبة الحقيقية في تذكُّر صلاح الآخرين، ولطفهم، وإيجابياتهم، والتركيز عليها، لا تعني إنكار مَواطن ضعفهم وعيوبهم، وإنما تعني إشاحة النظر عنها. يحثُّ الروح القدس المؤمنين على تقدير محبة الآخرين، وسخائهم، وترفُّقهم، والتمهُّل على بقية سلبياتهم (راجع ٤: ٨؛ ١كورنثوس ١٣: ٤-٧). فذلك الشخص الذي يركِّز طوال الوقت على سلبيات الآخرين، وعيوبهم، ونقائصهم، وزلَّاتهم ليس خاضعًا لسيطرة الروح القدس، وربما يكون غير مؤمن من الأساس. فالمرارة، والاستياء، وروح الانتقاد، وما شابه ذلك، هي أعمال الجسد، لا أعمال الروح.
تأسَّس فرح بولس بدرجة كبيرة على ذكرياته الجيّدة والمحبَّبة عن المؤمنين الذين كانوا، مثل مؤمني فيلبي، ثابتين في أمانتهم للرب، وله، وللمؤمنين الآخرين.
تفسير الكتاب المقدّس - جون ماك آرثر (جون ماك آرثر)
١: ٣ أشكر إلهي. تضمَّنت رسائل بولس في العادة ثَناءً كهذا (رج ح غل ١: ٣-٥).
الرجاء إدخال تعليقك أو فسّر عن المشكلة التي واجهتها في الأسفل.