شكراً، رسالتكم قد أرسلت
فيلبي ٦:١
تفاسير
فيلبّي (جون ماك آرثر)
٢- عناصر الفرح
فيلبي ١: ٣-٨
«أَشْكُرُ إِلهِي عِنْدَ كُلِّ ذِكْرِي إِيَّاكُم دَائِمًا فِي كُلِّ أَدْعِيَتِي، مُقَدِّمًا الطَّلْبَةَ لأَجْلِ جَمِيعِكُمْ بِفَرَحٍ، لِسَبَبِ مُشَارَكَتِكُمْ فِي الإِنْجِيلِ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ إِلَى الآنَ. وَاثِقًا بِهذَا عَيْنِهِ أَنَّ الَّذِي ابْتَدَأَ فِيكُمْ عَمَلاً صَالِحًا يُكَمِّلُ إِلَى يَوْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. كَمَا يَحِقُّ لِي أَنْ أَفْتَكِرَ هذَا مِنْ جِهَةِ جَمِيعِكُمْ، لأَنِّي حَافِظُكُمْ فِي قَلْبِي، فِي وُثُقِي، وَفِي الْمُحَامَاةِ عَنِ الإِنْجِيلِ وَتَثْبِيتِهِ، أَنْتُمُ الَّذِينَ جَمِيعُكُمْ شُرَكَائِي فِي النِّعْمَةِ. فَإِنَّ اللهَ شَاهِدٌ لِي كَيْفَ أَشْتَاقُ إِلَى جَمِيعِكُمْ فِي أَحْشَاءِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (فيلبي ١: ٣-٨)
ثمة يقيِّم اختبار شهير للاكتئاب الناس بمقياس من واحد إلى عشرة. وكلما زادت النتيجة، كان الاكتئاب أشد حدة. لو حدث أن خضع الرسول بولس لهذا الاختبار، لكانت النتيجة بلا شك صفر، وذلك لأن فرحه كان كاملًا، يتعذَّر كبحه. فمثل كاتب المزمورين ٤٢ و٤٣، عرف بولس كيف يتغلَّب على الاكتئاب، والتوتر، والقلق (راجع مزمور ٤٢: ٥، ١١؛ ٤٣: ٥).
ومع ذلك، كانت ظروف بولس عصيبة وقت كتابة هذه الرسالة. فقد كان مسجونًا في روما، ينتظر على الأرجح حُكمًا بالإعدام. صحيح أنه خرج من هذا السجن لاحقًا، لكنه لم يكن متيقنًا من حدوث ذلك وقت كتابة الرسالة إلى فيلبي. وكان رهن الإقامة الجبرية (أعمال الرسل ٢٨: ٢٣، ٣٠)، مقيَّدًا بسلاسل إلى عسكري روماني (أعمال الرسل ٢٨: ١٦) لمنع أي احتمال للهرب. وفي هذا السجن، ذَبُلَ بولس، إذا كان عاجزًا عن القيام بالعمل الذي يحبه، فيما استغل آخرون وضعه ليكرزوا بالإنجيل عن حسد وخصام (١: ١٥-١٧). ومع ذلك، فاض قلبه بالفرح (١: ١٨). وفي واقع الأمر، زادت هذه الظروف الصعبة فرح بولس كثيرًا، لأنه كان واثقًا في قصد الرب السيادي، فلجأ إليه أكثر طالبًا القوة والتعزية.
ليس الفرح الحقيقي عاطفة مؤقتة وعابرة تأتي وتمضي حسب الظروف، لكنه شيء ثابت لا يتزعزع في الحياة الممتلئة بالروح بالقدس (راجع رومية ١٤: ١٧). ولأن بولس كان قريبًا من الله طوال الوقت، كان فرِحًا على الدوام. وقد اختبر في أعماق قلبه وروحه سلامًا يفوق الوصف (٤: ٧)، واكتفاء (٤: ١١)، مستمدَّين من الروح القدس، إذ كان ضميره صالحًا وبلا عثرة من نحو الله (أعمال الرسل ٢٣: ١؛ ٢٤: ١٦؛ ٢كورنثوس ١: ١٢؛ ٢تيموثاوس ١: ٣).
لم تكن كنيسة فيلبي كنيسة مثالية، لكن بالمقارنة بمعظم الكنائس الأخرى التي كان بولس على صلة بها، لم تكن لديهم مشاكل أخلاقية أو روحية كبرى. فقد حثَّهم بولس قائلًا: «عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، حَتَّى إِذَا جِئْتُ وَرَأَيْتُكُمْ، أَوْ كُنْتُ غَائِبًا أَسْمَعُ أُمُورَكُمْ أَنَّكُمْ تَثْبُتُونَ فِي رُوحٍ وَاحِدٍ، مُجَاهِدِينَ مَعًا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ لإِيمَانِ الإِنْجِيلِ» (١: ٢٧). وبعد بضع آيات، أوصاهم: «فَتَمِّمُوا فَرَحِي حَتَّى تَفْتَكِرُوا فِكْرًا وَاحِدًا وَلَكُمْ مَحَبَّةٌ وَاحِدَةٌ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، مُفْتَكِرِينَ شَيْئًا وَاحِدًا، لاَ شَيْئًا بِتَحَزُّبٍ أَوْ بِعُجْبٍ، بَلْ بِتَوَاضُعٍ، حَاسِبِينَ بَعْضُكُمُ الْبَعْضَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. لاَ تَنْظُرُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لآخَرِينَ أَيْضًا» (٢: ٢-٤). وفي جزء لاحق، أوصاهم أيضًا: «اِفْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ بِلاَ دَمْدَمَةٍ وَلاَ مُجَادَلَةٍ، لِكَيْ تَكُونُوا بِلاَ لَوْمٍ، وَبُسَطَاءَ، أَوْلاَدًا ِللهِ بِلاَ عَيْبٍ فِي وَسَطِ جِيل مُعَوَّجٍ وَمُلْتَوٍ، تُضِيئُونَ بَيْنَهُمْ كَأَنْوَارٍ فِي الْعَالَمِ» (٢: ١٤-١٥). وفي الأصحاح الرابع، حثَّ أفودية وسنتيخي، اللتين من الواضح أنه كان بينهما خلاف غير محسوم، على «أَنْ تَفْتَكِرَا فِكْرًا وَاحِدًا فِي الرَّبِّ» (الآية ٢). ثم حثَّ الكنيسة بكاملها على ألا يهتموا «بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ [طلباتهم] لَدَى اللهِ» (الآية ٦). لكن، كانت تلك التحريضات أقرب إلى التشجيع أكثر من كونها توبيخًا.
فعندما فكَّر بولس في هذه الكنيسة المحبوبة التي كان يكتب إليها فاض فرحه. فهو لم يفكر في ظروفه بقدر تفكيره في أمانتهم (١: ٣-٥)، ولم يفكر في ضيقاته بقدر تفكيره في محبتهم (٢: ١-٢)، ولم يفكر في آلامه الجسدية بقدر تفكيره في ثباتهم الروحي (٢: ١٢-١٦). كذلك، فكَّر بولس في سخائهم غير الأناني عندما أرسلوا الدعم المادي إليه (٤: ١٤-١٦)، وفي «تقدُّمهم وفرحهم في الإيمان» (١: ٢٥)، وكذلك في «[إخوته] الأَحِبَّاءَ والمُشْتَاقَ إِلَيْهِم، [سروره وإكليله]» (٤: ١). ولذلك، أمكنه أن يقول بصدق تام: «أَشْكُرُ إِلهِي عِنْدَ كُلِّ ذِكْرِي إِيَّاكُمْ» (١: ٣).
وفي فيلبي ١: ٣-٨، قدَّم الرسول خمسة عناصر محدَّدة لفرحه الذي مصدره الروح القدس، من حيث علاقة هذا الفرح بالمؤمنين الآخرين، وسلَّط الضوء على فرح التذكُّر (الآية ٣)، وفرح التشفُّع (الآية ٤)، وفرح المشاركة (الآية ٥)، وفرح التوقُّع (الآية ٦)، وفرح المحبة (الآيتان ٧-٨).
فرح التوقُّع
«وَاثِقًا بِهذَا عَيْنِهِ أَنَّ الَّذِي ابْتَدَأَ فِيكُمْ عَمَلاً صَالِحًا يُكَمِّلُ إِلَى يَوْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (١: ٦)
العنصر الرابع للفرح هو التوقُّع. لا شيء يمكن أن يشجِّع المؤمن بقدر معرفته أنه رغم تقلُّبات الحياة ومشقاتها، وبغض النظر عن مقدار الهزائم الروحية التي قد تلحق به في الطريق، فإنه يومًا ما سيصير كاملًا.
كلمة «وَاثِقًا» مترجَمة عن كلمة peithō اليونانية، ومعناها هنا أن يكون المرء مقتنعًا بشيء ما، ومتحلِّيًا بالثقة فيه. كانت ثقة بولس تتجاوز بكثير مجرد كونها أملًا بشريًّا، إذ كانت ثقة مطلقة نابعة من معرفته وتصديقه لوعد الله بأن «الَّذِي [أي الله] ابْتَدَأَ فِيكُمْ عَمَلاً صَالِحًا يُكَمِّلُ إِلَى يَوْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ». فالخلاص هو عمل الله بالكامل، ولهذا فإن اكتماله يقينيًّا كما لو أنه قد تمَّ بالفعل.
يأتي الفعل «ابْتَدَأَ» من الفعل اليوناني enarchomai، وهو فعل مركَّب معناه «يبدأ». وقد استُخدِم مرتين فقط في كلِّ العهد الجديد، كلتيهما للإشارة إلى الخلاص. وبَّخ بولس بعض المؤمنين في كنائس غلاطية لأنهم ظنوا أنهم قادرون بقوتهم على إنهاء ما ابتدأه الله في حياتهم فقط بقوة روحه القدوس؛ فوجَّه إليهم سؤالًا بلاغيًّا يقول: «أَهكَذَا أَنْتُمْ أَغْبِيَاءُ؟ أَبَعْدَمَا ابْتَدَأْتُمْ بِالرُّوحِ تُكَمَّلُونَ الآنَ بِالْجَسَدِ؟» (غلاطية ٣: ٣). حقيقة الأمر، يجيب الرسول في النص الحالي عن هذا السؤال نفسه مؤكِّدًا لمؤمني فيلبي أن خلاصهم هو عمل نعمة الله حصريًّا. يطالِبُ الله بالإيمان لنوال الخلاص، لكنَّ هذا الإيمان ليس عملًا جديرًا بالاستحقاق؛ بل يحدث الخلاص بقوة الله استجابةً للإيمان. وكما ذكرنا، الإيمان نفسه هو عمل الله، لأنه هو الذي يبادر به ويحقِّقه (أفسس ٢: ٨-٩). ومع أن ليدية، أول مَن اعتنقت المسيحية في الكنيسة التي أصبحت لاحقًا كنيسة فيلبي، آمَنَت بإنجيل المسيح، أوضح لوقا أن الرب هو الذي فَتَحَ قَلْبَهَا لِتُصْغِيَ إِلَى مَا كَانَ يَقُولُهُ بُولُسُ (أعمال الرسل ١٦: ١٤).
لاحقًا في هذه الرسالة، أكَّد بولس أنه «قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ»؛ وكذلك، أن «اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ» (فيلبي ١: ٢٩؛ ٢: ١٣). وقال يوحنا: «وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ [أي قبلوا المسيح] فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ» (يوحنا ١: ١٢). وعندما «سَمِعَ الرُّسُلُ وَالإِخْوَةُ الَّذِينَ كَانُوا فِي الْيَهُودِيَّةِ أَنَّ الأُمَمَ أَيْضًا قَبِلُوا كَلِمَةَ اللهِ» بواسطة كرازة بطرس، «خَاصَمَهُ الَّذِينَ مِنْ أَهْلِ الْخِتَانِ»، اعتقادًا منهم بأن الإنجيل هو فقط لليهود أو المهتدين إلى الديانة اليهودية. لكن بعدما سمعوا تقرير بطرس، «سَكَتُوا، وَكَانُوا يُمَجِّدُونَ اللهَ قَائِلِينَ: ‹إِذًا أَعْطَى اللهُ الأُمَمَ أَيْضًا التَّوْبَةَ لِلْحَيَاةِ!›» (أعمال الرسل ١١: ١-٢، ١٨). وكَتَبَ يعقوب: «شَاءَ فَوَلَدَنَا بِكَلِمَةِ الْحَقِّ لِكَيْ نَكُونَ بَاكُورَةً مِنْ خَلاَئِقِهِ» (يعقوب ١: ١٨).
كما ذكرنا، يحدث الخلاص فقط بنعمة الله. فالله «اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ» (أفسس ١: ٤). اختار الله جميع المؤمنين قبل الزمن، أي قبل إمكانية أن يختاروه بزمانٍ طويلٍ. ولولا اختياره لهم، لما أمكنهم أن يختاروه (يوحنا ٦: ٤٤). في كلِّ العصور والأحوال كان صحيحًا دائمًا أن «جَمِيعُ الَّذِينَ كَانُوا مُعَيَّنِينَ لِلْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ» هم الذين يؤمنون (أعمال الرسل ١٣: ٤٨). عبَّر بولس عن هذا الحق بوضوح في رومية ٥: ٨-١٠، قائلًا:
«وَلكِنَّ اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا. فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُتَبَرِّرُونَ الآنَ بِدَمِهِ نَخْلُصُ بِهِ مِنَ الْغَضَبِ! لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ اللهِ بِمَوْتِ ابْنِهِ، فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ نَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ!»
ولاحقًا في تلك الرسالة نفسها، قدَّم بولس حقًّا موازيًا لما جاء في فيلبي ١: ٦، قائلًا إن «الَّذِينَ سَبَقَ [الله] فَعَرَفَهُمْ، سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِهِ، لِيَكُونَ هُوَ بِكْرًا بَيْنَ إِخْوَةٍ كَثِيرِينَ. وَالَّذِينَ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ، فَهؤُلاَءِ دَعَاهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ دَعَاهُمْ، فَهؤُلاَءِ بَرَّرَهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ بَرَّرَهُمْ، فَهؤُلاَءِ مَجَّدَهُمْ أَيْضًا» (رومية ٨: ٢٩-٣٠). فجميع المختارين سوف يُمجَّدون، إذ لا بد أن يُكَمِّل الله ما ابتدأه.
يتحقَّق كلُّ جانب من جوانب الخلاص بمقتضى مشيئة الله السيادية واختياره. كَتَبَ بولس إلى مؤمني أفسس:
«اَللهُ الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبِنَا بِهَا، وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ، بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ، وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، لِيُظْهِرَ فِي الدُّهُورِ الآتِيَةِ غِنَى نِعْمَتِهِ الْفَائِقَ، بِاللُّطْفِ عَلَيْنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ.» (أفسس ٢: ٤-٨؛ راجع تيطس ٣: ٤-٦؛ يعقوب ١: ١٨؛ ١بطرس ١: ٢-٣)
الرب هو الذي يبدأ عمل الخلاص، وهو، بروحه القدوس، الذي سوف يُكَمِّله. كَتَبَ بولس إلى أهل غلاطية: «مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي» (غلاطية ٢: ٢٠). الفعل «يُكَمِّلُ» (Epiteleō) هو فعل مركَّب في اللغة اليونانية، مكوَّنٌ من حرف الجر epi، والفعل teleō («يُكَمِّل»)، وهو بهذا ينقل معنى أن يكون الأمر «مكتملًا تمامًا» على نحو أشد. كان بولس على يقين تام بأن الله سيكمِّل تمامًا عملَ خلاصه في مؤمني فيلبي. ولا توجد أيُّ احتمالية للفشل أو التتميم الجزئي.
لا يشير التعبير الأخروي «يَوْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ» إلى يوم الرب الأخير الذي تنبَّأ به العهدان القديم والجديد، الذي فيه تنزل دينونة الله على العالم الخاطئ. وَصَفَ بولس يوم الرب في الرسالة الأولى إلى تسالونيكي على النحو التالي:
«لأَنَّكُمْ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بِالتَّحْقِيقِ أَنَّ يَوْمَ الرَّبِّ كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ هكَذَا يَجِيءُ. لأَنَّهُ حِينَمَا يَقُولُونَ: ’سَلاَمٌ وَأَمَانٌ‘، حِينَئِذٍ يُفَاجِئُهُمْ هَلاَكٌ بَغْتَةً، كَالْمَخَاضِ لِلْحُبْلَى، فَلاَ يَنْجُونَ. وَأَمَّا أَنْتُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ فَلَسْتُمْ فِي ظُلْمَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكُمْ ذلِكَ الْيَوْمُ كَلَصٍّ» (٥: ٢-٤)[١]
في المقابل، يشير التعبير الأخروي «يَوْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ» بوضوح إلى الوقت الذي سيتمجَّد فيه المؤمنون، عندما يُكمِّل الله خلاصهم (١كورنثوس ٣: ١٠-١٥؛ ٢كورنثوس ٥: ١٠). هذا هو «يَوْمِ الْمَسِيحِ»، وهو اليوم نفسه الذي أشار إليه بولس عدة مرات لاحقًا في الرسالة إلى فيلبي. وهو اليوم الذي على المؤمنين أن يستعدُّوا له بالسلوك بإخلاص وبلا عثرة (١: ١٠)، وبالتمسُّك «بِكَلِمَةِ الْحَيَاةِ» (٢: ١٦). في الرسالة الأولى إلى كنيسة كورنثوس، دعا الرسول ذلك اليوم «يَوْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (١كورنثوس ١: ٨). وفي رسالته الثانية إليهم، دعاه «يَوْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ» (٢كورنثوس ١: ١٤). في كلِّ مثال من هذه الأمثلة، ذُكِر الاسم الشخصي «يسوع» أو «المسيح» (وليس «الرب»). وفي كلِّ مثال، كان هذا التعبير يشير إلى الوقت الذي فيه سيشترك المؤمنون اشتراكًا تامًّا في برِّ الرب الكامل، عندما «يَتَصَوَّرَ الْمَسِيحُ [فِيهُمْ]». (غلاطية ٤: ١٩)، وحين «[يُظْهَرُونَ] أَيْضًا مَعَهُ فِي الْمَجْدِ» (كولوسي ٣: ٤).
إن المؤمنين مُعيَّنونَ «لِيَكُونُوا مُشَابِهِينَ صُورَةَ ابْنِ [الله]» (رومية ٨: ٢٩)، لأنهم «كَمَا [لبسوا] صُورَةَ التُّرَابِيِّ، [سيلبسون] أَيْضًا صُورَةَ السَّمَاوِيِّ، ... [و] فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ،... [سيتغيَّرون]. ... لأَنَّ هذَا الْفَاسِدَ لاَبُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ،، وَهذَا الْمَائِتَ يَلْبَسُ عَدَمَ مَوْتٍ» (١كورنثوس ١٥: ٤٩، ٥٢-٥٣). كتب يوحنا: «نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ [المسيح] نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ» (١يوحنا ٣: ٢). وكتب بطرس: «وَمَتَى ظَهَرَ رَئِيسُ الرُّعَاةِ، [سوف ننال] إِكْلِيلَ الْمَجْدِ الَّذِي لاَ يَبْلَى» (١بطرس ٥: ٤). ومع أن المؤمن الذي يعيش في خطيةٍ دون توبة قد يُسَلَّم مؤقَّتًا للشيطان للتأديب، سوف «تَخْلُصَ [روحه] فِي يَوْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ» (١كورنثوس ٥: ٥). ومن ثَمَّ، يكون يوم يسوع المسيح هو وقت التكميل والتمجيد، الذي فيه يتحقَّق أخيرًا الاستعلان المجيد لأبناء الله (رومية ٨: ١٨-١٩، ٢٣).
يخلِّص الله دائمًا بالتمام وإلى الأبد. أن يتبرَّر المرء -بحسب تعبيرات العهد القائم على الوعود- معناه أن يتقدَّس ويتمجَّد. فلا يوجد ما يسمَّى باختبار جانب واحد من جوانب الخلاص دون الجانبين الآخرين، فكل جانب هو جزء ضروري ولا غنى عنه من سلسلة الخلاص الكاملة. فابتداء الله الخلاص في حياة أحدهم هو ضمان لا رجعة فيه بأن يكمِّله حتى النهاية. قال ويليام هندريكسن (William Hendriksen): «الله. . . ليس مثل البشر. فالبشر يُجرون تجارب، أما الله، فينفِّذ خطة. ولا يفعل الله شيئًا البتة إلا على أكمل وجه».[٢]
قال الرب عن داود: «أَمَّا رَحْمَتِي فَلاَ أَنْزِعُهَا عَنْهُ، وَلاَ أَكْذِبُ مِنْ جِهَةِ أَمَانَتِي» (مزمور ٨٩: ٣٣؛ راجع الآية ٢٠). وقطع يسوع لكلِّ مؤمن وعدًا مؤكَّدًا بأن «كُلُّ مَا يُعْطِينِي الآبُ فَإِلَيَّ يُقْبِلُ، وَمَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا ... هذِهِ مَشِيئَةُ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي: أَنَّ كُلَّ مَا أَعْطَانِي لاَ أُتْلِفُ مِنْهُ شَيْئًا، بَلْ أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ» (يوحنا ٦: ٣٧، ٣٩). ولاحقًا، كرَّر هذا الوعد قائلًا: «خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي، وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي. وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي» (يوحنا ١٠: ٢٧-٢٨). وقال بولس: «فَإِنِّي مُتَيَقِّنٌ أَنَّهُ لاَ مَوْتَ وَلاَ حَيَاةَ، وَلاَ مَلاَئِكَةَ وَلاَ رُؤَسَاءَ وَلاَ قُوَّاتِ، وَلاَ أُمُورَ حَاضِرَةً وَلاَ مُسْتَقْبَلَةً، وَلاَ عُلْوَ وَلاَ عُمْقَ، وَلاَ خَلِيقَةَ أُخْرَى، تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا» (رومية ٨: ٣٨-٣٩). وكتب بولس إلى تيموثاوس: «وَلكِنَّ أَسَاسَ اللهِ الرَّاسِخَ قَدْ ثَبَتَ، إِذْ لَهُ هذَا الْخَتْمُ، ʼيَعْلَمُ الرَّبُّ الَّذِينَ هُمْ لَهُ.‘« (٢تيموثاوس ٢: ١٩؛ راجع يوحنا ١٠: ١٤). كذلك، تهلَّل بطرس قائلًا:
«مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي حَسَبَ رَحْمَتِهِ الْكَثِيرَةِ وَلَدَنَا ثَانِيَةً لِرَجَاءٍ حَيٍّ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِمِيرَاثٍ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ، أَنْتُمُ الَّذِينَ بِقُوَّةِ اللهِ مَحْرُوسُونَ، بِإِيمَانٍ، لِخَلاَصٍ مُسْتَعَدٍّ أَنْ يُعْلَنَ فِي الزَّمَانِ الأَخِيرِ» (١بطرس ١: ٣-٥؛ راجع يهوذا ٢٤)
من السهل أن يُحبط المؤمنون عندما يركِّزون على مشاكلهم وعيوبهم (وكذلك على مشاكل المؤمنين الآخرين وعيوبهم). ومع أننا يجب ألا نتجاهل تلك الخطايا أو نقلِّل من شأنها، علينا أيضًا ألَّا نسمح لها بأن تطغى على حقيقة التكميل المستقبلي سواء للكنيسة أو لكلِّ مؤمن فرد، الأمر الذي تؤكِّده وتضمنه كلمة الله مرارًا وبوضوح شديد. إن تذكُّر ذلك الحق المجيد يزيل عن كاهلنا ضغط الشك المدمِّر، كما يعزِّز الفرح الظافر، والامتنان، والتوقُّع؛ وبذلك، يحرِّر شعبَ الله حتى يعيشوا حياة أغنى وأكثر فاعلية وإثمارًا.
كتب ف. ب. ماير (F. B. Meyer)، المفسِّر من القرن التاسع عشر، الكلمات التالية:
عندما ندخل مَرْسَمًا يعمل به رسامٌ ما، نجد رسومًا غير مكتملة تغطي لوحات ضخمة، وتوحي بتصميمات رائعة، غير أنها تُرِكت ناقصة، إما لأن الرسَّام لم يكن مؤهلًا بما يكفي لإكمال العمل، وإما لأن الشلل أصاب يده بالعجز. لكن عندما ندخل إلى ورشة الله العظيمة، لا نجد شيئًا يوحي بالتسرُّع، أو الافتقار إلى القوة الكافية لإنهاء العمل. فإننا على يقين بأن العمل الذي ابتدأته نعمةُ الله، ستكمِّله ذراعُ قدرته.[٣]
ليس عند الله أعمال غير مكتملة. فالإله الذي يخلِّص هو الإله الذي يبرِّر، ويقدِّس، ويمجِّد. والإله الذي يبتدئ هو الإله الذي يكمِّل. في أثناء تجسُّد الرب يسوع، أعطى هذا التأكيد الذي لا لبس فيه، والذي هو مصدر فرح لجميع الذين يؤمنون به على الإطلاق: «كُلُّ مَا يُعْطِينِي الآبُ فَإِلَيَّ يُقْبِلُ، وَمَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لاَ أُخْرِجْهُ خَارِجًا» (يوحنا ٦: ٣٧).
[١] لمزيدٍ من المعلومات عن يوم الرب، انظر إشعياء ١٣: ٦-٢٢؛ يوئيل ١: ١٥؛ ٢: ١١؛ أعمال الرسل ٢: ٢٠؛ ٢تسالونيكي ١: ١٠ (تعبير «فِي ذَلِكَ ٱلْيَوْمِ»)؛ ٢بطرس ٣: ١٠. وانظر أيضًا:
Revelation ١–١١, The MacArthur New Testament Commentary (Chicago: Moody, ١٩٩٩), ١٩٩–٢٠١.
[٢] William Hendriksen, Philippians, ٥٥.
[٣] F. B. Meyer, The Epistle to the Philippians (Grand Rapids: Baker, ١٩٥٢), ٢٨.
تفسير الكتاب المقدّس - جون ماك آرثر (جون ماك آرثر)
١: ٦ يُكمِّل. الفعل اليونانيُّ المترجم «ابتدأ» مستعملٌ فقط هنا وفي غل ٣: ٣، وكِلتا المرَّتين بالإشارة إلى الخلاص ذاته. فعندما يبدأ الله عمل خلاص في شخصٍ ما، يُنهي ذلك العمل ويُكمِّله. وهكذا، يُشير الفعل «يُكمِّل» إلى أمان المؤمن الأبديِّ (رج ح يو ٦: ٤٠ و٤٤؛ رو ٥: ١٠؛ ٨: ٢٩- ٣٩؛ أف ١: ١٣ و١٤؛ عب ٧: ٢٥؛ ١٢: ٢(.
يوم يسوع المسيح. يجب عدم الخلط بين هذه العبارة و«يوم الربّ» (رج مقدِّمة يوئيل: المواضيع التاريخيَّة واللاهوتيَّة) الذي يصف الدينونة والغضب الإلهيَّين النهائيَّين (رج إش ١٣: ٩؛ يؤ ١: ١٥؛ ٢: ١١؛ ١تس ٥: ٢؛ ٢بط ٣: ١٠). ويُدعى «يوم يسوع المسيح» أيضًا «يوم المسيح» (ع ١٠؛ ٢: ١٦) و«يوم ربِّنا يسوع المسيح» (١كو ١: ٨) الذي ينظر إلى خلاص المؤمنين النهائيِّ ومُجازاتهم وتمجيدهم. رج ١كو ٣: ١٠-١٥؛ ٤: ٥؛ ٢كو ٥: ٩ و١٠.
الرجاء إدخال تعليقك أو فسّر عن المشكلة التي واجهتها في الأسفل.