Thank you, your message has been sent.
Philippians 1:28
Commentaries
Philippians (John MacArthur)
6- سلوك الكنيسة
كما يحق
فيلبي 1: 27-30
«فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، حَتَّى إِذَا جِئْتُ وَرَأَيْتُكُمْ، أَوْ كُنْتُ غَائِبًا أَسْمَعُ أُمُورَكُمْ أَنَّكُمْ تَثْبُتُونَ فِي رُوحٍ وَاحِدٍ، مُجَاهِدِينَ مَعًا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ لإِيمَانِ الإِنْجِيلِ، غَيْرَ مُخَوَّفِينَ بِشَيْءٍ مِنَ الْمُقَاوِمِينَ، الأَمْرُ الَّذِي هُوَ لَهُمْ بَيِّنَةٌ لِلْهَلاَكِ، وَأَمَّا لَكُمْ فَلِلْخَلاَصِ، وَذلِكَ مِنَ اللهِ. لأَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ. إِذْ لَكُمُ الْجِهَادُ عَيْنُهُ الَّذِي رَأَيْتُمُوهُ فِيَّ، وَالآنَ تَسْمَعُونَ فِيَّ» (فيلبي 1: 27-30)
كان بولس يحب كنيسة فيلبي، ويحترمها، ويقدِّرها على نحو خاص. فقد كانت من أنضج الكنائس في العهد الجديد. ومع ذلك، كان أعضاؤها يعانون بعض المشاكل، التي يُحتمل أن بعضها كان خطيرًا. فمثل أي كنيسة في أيِّ عصر، كان هؤلاء بحاجة إلى الاحتراس من المعلِّمين الكذبة (3: 2)، ورَفْضِ «أَعْدَاءُ صَلِيبِ الْمَسِيحِ» الموجودين في وسط الكنيسة (3: 17-18). كان الرسول يَعلَم أن حتى الكنيسة الأمينة لا تستغرق طويلًا حتى تنزلق إلى اللامبالاة، وفي النهاية إلى الخطأ الأخلاقي والضلال العقيدي.
في فيلبي 1: 27-30، انتقل بولس من التركيز على سيرته الذاتية في الجزء الأول من الرسالة، إلى التركيز على كنيسة فيلبي، فدعا مؤمني فيلبي إلى الحفاظ على تكريسهم الروحي، ومواصلة السلوك كما يليق بقوة الإنجيل. كما دعاهم إلى فحص قلوبهم بدقة ليروا إذا كانوا يتمتَّعون باستقامة روحية. تنطبق هذه المناشدة، قطعًا، على كلِّ أتباع يسوع المسيح في كل مكان وزمان.
رأى بولس أن بقاءه في الجسد ألزم لخيرهم الروحي، ولذا كان واثقًا بأن الرب سيسمح له أن «[يَبْقَى] مَعَ [جَمِيعِهُم] لأَجْلِ [تَقَدُّمِهمْ وَفَرَحِهم] فِي الإِيمَانِ، لِكَيْ يَزْدَادَ [افْتِخَارُهُمْ] فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ [فِيه]، بِوَاسِطَةِ [حُضُورِه] أَيْضًا [عِنْدَهُم]» (1: 25-26). لكن بغض النظر عما سيحدث له، ناشدهم قائلًا: «فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ... [سواء] جِئْتُ وَرَأَيْتُكُمْ، أَوْ كُنْتُ غَائِبًا». فما كان يهمُّ حقًا هو سلوكهم المقدَّس الثابت. ، جاءت كلمة Monon («فَقَطْ») في النص اليوناني في بداية الجملة للتوكيد. فقبل أيِّ شيء آخر، أراد بولس أن تعكس حياتُهم إِنْجِيلِ الْمَسِيحِ بجدارةٍ. كرَّر بولس هذا الحق ضمنًا طوال الرسالة، وصراحةً في الأصحاح التالي، فحثَّهم قائلًا: «لِكَيْ تَكُونُوا بِلاَ لَوْمٍ، وَبُسَطَاءَ، أَوْلاَدًا ِللهِ بِلاَ عَيْبٍ فِي وَسَطِ جِيل مُعَوَّجٍ وَمُلْتَوٍ، تُضِيئُونَ بَيْنَهُمْ كَأَنْوَارٍ فِي الْعَالَمِ. مُتَمَسِّكِينَ بِكَلِمَةِ الْحَيَاةِ لافْتِخَارِي فِي يَوْمِ الْمَسِيحِ، بِأَنِّي لَمْ أَسْعَ بَاطِلاً وَلاَ تَعِبْتُ بَاطِلاً» (فيلبي 2: 15-16).
الفعل Politeuomai («عِيشُوا») هو الفعل الرئيسي في الآيات 27-30، وهي جملة واحدة في اللغة اليونانية. وجذر الفعل هو polis (ومعناه «مدينة»)، وكانت الكلمة تشير في العصور القديمة عادةً إلى الدول-المدن (أي المدن المستقلة التي تحكم نفسها)، التي يعطيها مواطنوها ولاءهم الأكبر. ومن ثَمَّ، فإن المعنى الأساسي للفعل هو كون المرء مواطنًا، لكنه يعني ضمنًا أن يكون المرء مواطنًا صالحًا، أي أن يشرِّف سلوكُه الكيانَ السياسي الذي ينتمي إليه.
تميَّزت مدينة فيلبي بكونها مستوطنة رومانية (أعمال الرسل 16: 12)، وهي مكانة مميَّزة للغاية أعطت سكانها الكثير من الحقوق التي يتمتع بها مواطنو روما نفسها. كانت تلك المستوطنات تعتبر نفسها «روما مصغَّرة»، وتفتخر كثيرًا بهذا الانتماء. كما كانت تقدِّم ولاءً تامًّا لروما وللإمبراطور، وتعتمد الزي الروماني، وتستخدم الأسماء الرومانية، وتتحدث اللغة اللاتينية، التي كانت اللغة الرسمية لروما.
كان المجتمع الروماني، مثل المجتمع اليوناني السابق له، على درجة عالية من الوعي المجتمعي. فقد كان الفرد يخضع للدولة. وكانت مهارات المواطن، ومواهبه، وطاقته، ومساعيه مكرَّسة في المقام الأول لتحقيق مصالح المجتمع ككلٍّ. لم يكن ذلك خضوعًا قسريًا، كما هو الحال في الدول الاستبدادية الحديثة، لكنه كان خضوعًا قائمًا على شعورٍ إرادي بالتكافُل والاعتمادية المتبادلة يفخر به المواطنون. وكان المواطن المسئول يحرص على عدم فعل أيِّ شيء قد يسيء إلى سمعة مدينته (polis)؛ وكان يسعى دائمًا إلى أن يَظهَر للآخرين مواطنًا مشرِّفًا، حتى لا يُمحَى اسمه البتة من قائمة المواطنين.
ربما كان في فكر بولس، عند استخدامه الفعل politeuomai («عِيشُوا»)، هذا النوع من الإخلاص والتفاني. فإذا كان مواطنو مدينة فيلبي مخلِصين إلى هذا الحدِّ لشرف مملكتهم البشرية، فكم بالحري يجب على المؤمنين أن يُخلِصوا لملكوت الْمَسِيحِ (راجع كولوسي 1: 12-13)؟ لذلك أوصاهم بولس بأن يعيشوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، وبأن يسلكوا كمواطنين سماويين أمناء (راجع 3: 20). والكنيسة -وإن كانت غير كاملة ووقتية- هي المَظهَر الأرضي لملكوت السماوات الكامل والأبدي في هذا العصر (راجع كولوسي 1: 13). ويتسم السلوك السماوي بأن يكون المؤمنون «بِلاَ لَوْمٍ، وَبُسَطَاءَ، أَوْلاَدًا ِللهِ بِلاَ عَيْبٍ فِي وَسَطِ جِيل مُعَوَّجٍ وَمُلْتَوٍ، تُضِيئُونَ بَيْنَهُمْ كَأَنْوَارٍ فِي الْعَالَمِ « (2: 15).
فأن نعيش كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ معناه أن نعيش حياة متوافقة مع كلمة الله المعلَنة. ينطوي ذلك على عيش حياة متوافقة مع الحق الإلهي الذي يعترف المؤمنون بأنهم يؤمنون به، ويكرزون به، ويعلِّمونه، ويدافعون عنه. بتعبير آخر، ذلك يعني السلوك باستقامة في كلِّ أوجه الحياة وجوانبها. وتصف مواضع أخرى في العهد الجديد هذا التكليف بأنه السلوك «كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا» (أفسس 4: 1)، و«كَمَا يَحِقُّ لِلرَّبِّ، فِي كُلِّ رِضىً، مُثْمِرِينَ فِي كُلِّ عَمَل صَالِحٍ، وَنَامِينَ فِي مَعْرِفَةِ اللهِ» (كولوسي 1: 10)، و«كَمَا يَحِقُّ للهِ الَّذِي دَعَاكُمْ إِلَى مَلَكُوتِهِ وَمَجْدِهِ» (1تسالونيكي 2: 12؛ راجع 4: 1). كما إنه يعني تقديم «كُلَّ أَمَانَةٍ صَالِحَةٍ، لِكَيْ [يزيِّن المؤمنون] تَعْلِيمَ [مخلِّصهم] اللهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ» (تيطس 2: 10)، مظهِرين «سِيرَةٍ مُقَدَّسَةٍ وَتَقْوَى»، ومجتهدين «[لِيوجَدُوا] عِنْدَهُ بِلاَ دَنَسٍ وَلاَ عَيْبٍ، فِي سَلاَمٍ» (2بطرس 3: 11، 14).
إن أعظم شهادة تقدِّمها الكنيسة أمام العالم هي استقامتها الروحية. فعندما يعيش المؤمنون دون مستوى مقاييس الأخلاق الكتابية والتوقير لربِّهم، يُعرِّضون للشبهة الحقَّ الكتابي الكامل المتعلِّق بطبيعة الله، وخطته، ومشيئته؛ وبذلك يُضعفون على نحو خطير مصداقيةَ الإنجيل، ويحدُّون تأثيرهم على العالم. لطالما كان شعب الله في عداوة مع العالم، لأن العالم في عداوة مع الله (رومية 1: 28؛ 5: 10؛ أفسس 2: 3؛ كولوسي 1: 21). لكن لا يمكن أن نتوقَّع من العالم أن يعتنق إيمانًا لا يستوفي أتباعه مقاييسه للقداسة، ولا يُظهِرون في حياتهم قوة المسيح المغيِّرة.
عندما ينظر غير المؤمنين إلى الكنيسة ولا يرون قداسة، أو طهارة، أو فضيلة، لا يجدون ما يدعوهم إلى الإيمان بالإنجيل الذي تنادي به هذه الكنيسة. فعندما يرتكب رعاة الكنائس خطايا جسيمة، ثم يبقون في مناصبهم القيادية في الكنيسة؛ أو عندما يَكذب أعضاء الكنيسة، ويسرقون، ويغشون، ويَغتابون، ويتشاجرون؛ أو عندما تبدو الكنائس غير مبالية بالخطية والرياء فيها، يثير ذلك نفور العالَم من ادِّعاء جماعة المؤمنين أنهم يحبون الله ويخدمونه. وبذلك يهان اسم المسيح ويُجدَّف عليه.
الإنجيل هو بشارة الخلاص بيسوع المسيح. فهو الحق الذي يقول إن «الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ» (1كورنثوس 15: 3-4)؛ وهو الرسالة التي يصفها بولس بأنها «قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ: لِلْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ لِلْيُونَانِيِّ» (رومية 1: 16). والمقصود هنا هو أن الذين للمسيح بالإيمان بإنجيله للخلاص ينبغي أن يُظهروا تلك القوة من خلال حياتهم التي تغيَّرت (راجع 2كورنثوس 5: 17).
كان بولس قد أعرب لتوِّه عن توقُّعه بفرحٍ أن تتسنَّى له زيارة فيلبي مرة أخرى (1: 25-26)؛ لكن لَم يكن هذا شغله الشاغل. فقد كان يدرك أن مؤمني فيلبي، مثلهم مثل الكنيسة في أفسس، سيتعرَّضون لا محالة لتهديدٍ من «ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ»، وسيقوم معلِّمون كذبة حتى من داخل الكنيسة، و«يَتَكَلَّمُونَ بِأُمُورٍ مُلْتَوِيَةٍ لِيَجْتَذِبُوا التَّلاَمِيذَ وَرَاءَهُمْ» (أعمال الرسل 20: 29-30). وكان يدرك أنه رغم النضج الروحي العام لهذه الكنيسة، سيُظهِر بعض أعضائها افتقارهم إلى إيمان الخلاص بتخلِّيهم عن المسيح لصالح إنجيل آخر. وآخرون ممَّن خلصوا بقوة الروح القدس سيقعون في فخ الناموسية باتكالهم على إنجازاتهم الجسدية لتقديسهم (غلاطية 1: 6 ؛ 3: 3). وسواء زار بولس كنيسته المحبوبة في فيلبي أو لا، لم يكن هؤلاء مسئولين أمامه هو، بل أمام المسيح. فلم يكن هو، أو أيُّ شخص آخر، مصدر قوتهم الروحية. لذلك، ناشدهم بأنه سواء جاء ورآهم أو ظل غائبًا، عليهم أن يتّكلوا على الرب، ويعيشوا كما يحق له.
قدَّم الرسول في هذا المقطع أربع سمات للمؤمنين الذين يعيشون كما يحق للمسيح، وهي أنهم: يثبُتون فيه (الآية 27ب)؛ ويشتركون بعضهم مع بعضٍ بفضله (الآية 27ج)؛ ويجاهدون معًا في إطاعته (الآيتان 27د- 28)؛ ويتألَّمون لأجله (الآيتان 29-30).
الجهاد
«مُجَاهِدِينَ مَعًا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ لإِيمَانِ الإِنْجِيلِ، غَيْرَ مُخَوَّفِينَ بِشَيْءٍ مِنَ الْمُقَاوِمِينَ، الأَمْرُ الَّذِي هُوَ لَهُمْ بَيِّنَةٌ لِلْهَلاَكِ، وَأَمَّا لَكُمْ فَلِلْخَلاَصِ، وَذلِكَ مِنَ اللهِ» (فيلبي 1: 27د- 28)
تنطوي السمة الثالثة للسلوك اللائق على جهاد المؤمنين معًا. كلمة Sunathleo اليونانية («مُجَاهِدِينَ مَعًا») هي كلمة يونانية مركَّبة، مكوَّنة من حرف الجر اليوناني sun («مع»)، والاسم athleo، الذي معناه التنافُس في مباراة، ولا سيما في رياضة مثل المصارعة. وهو المصطلح الذي جاءت منه كلمة athlete («رياضي»)، وكلمة athletics («الألعاب الرياضية») في اللغة الإنجليزية. استخدم بولس الفعل المتصل بهذه الكلمة مرتين بمعناه الحرفي كتشبيهٍ روحيٍّ، عندما كتب إلى تيموثاوس: «إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُجَاهِدُ [يتنافس كرياضي]، لاَ يُكَلَّلُ إِنْ لَمْ يُجَاهِدْ قَانُونِيًّا» (2تيموثاوس 2: 5).
في النص الحالي، من الواضح أن الفكرة التي قصدها بولس هي الجهاد مَعًا، وليس العكس، أي الجهاد أو التنافس بعضهم ضد بعض، كما يمكن للكلمة أن تُترجَم أيضًا. فهو يشدِّد هنا على عدم استغلال المرء للآخرين لمصلحته الشخصية، بل بالأحرى أن يضحِّي بمصلحته لتعزيز مصلحة الآخرين. كذلك، يشمل هذا التعبير ضمنًا فكرة «الصراع ضد»، لكن فقط بمعنى أن الكنيسة يجب أن تجاهد معًا ضد الخطية، وضد عدوِّها المشترك، أي الشيطان وجنوده الشياطين.
يشدِّد بولس هنا على العلاقة الإيجابية بين المؤمنين. فكم من فريق رياضي يضم العديد من اللاعبين البارزين فشل في الفوز ببطولات بسبب تركيز معظم هؤلاء اللاعبين على نجاحهم الفردي بدلًا من نجاح الفريق. وعادة ما يتمكَّن فريق أقل موهبة من الفوز على فريق أكثر موهبة لأن أعضاء الفريق الأضعف يعملون معًا بكفاءة في سبيل تحقيق هدف مشترك. فربما يهمَّش لاعب يتمتع بموهبة استثنائية مؤقتًا، بل ويُستبعَد من الفريق في بعض الأحيان، مهما كانت جهوده الفردية مثيرة للإعجاب، لأنه يتسبَّب في ضرر لفريقه يفوق المنفعة. فالجهاد معًا في الكنيسة يعني أن نلعب معًا كفريق من أجل تقدَّم حق الله.
لا بد أن يكون للوحدة الحقيقية بكلِّ أنواعها هدفٌ. فمحاولة تحقيق الوحدة لأجل الوحدة ذاتها هي محاولة عقيمة، إذ يجب أن تكون هناك قضية مشتركة وهدف مشترك. ترتكز الوحدة الحقيقية الوحيدة للكنيسة على إِيمَانِ الإِنْجِيلِ، أي الإيمان المسيحي. في نصوص أخرى، أطلق بولس على هذا الإيمان اسم «إِنْجِيلَ الْمَسِيحِ» (غلاطية 1: 7)، و«إِنْجِيلِ مَجْدِ اللهِ الْمُبَارَكِ»، الذي أؤتمن عليه هو وتيموثاوس وجميع المؤمنين الآخرين أيضًا (1تيموثاوس 1: 11؛ 6: 20؛ راجع رومية 1: 1؛ 2تيموثاوس1: 14؛ راجع 4: 7). ووصفه يهوذا بأنه «الإِيمَانِ الْمُسَلَّمِ مَرَّةً لِلْقِدِّيسِينَ» (يهوذا 3).
كما ذكرنا، إن جهاد المؤمنين معًا ليس فقط يسهم في تقدُّم إِيمَانِ الإِنْجِيلِ، لكنه أيضًا يوقف تقدُّم كلِّ ما يقاومه. لطالما واجَهَتِ الكنيسةُ عالَمًا معاديًا. بعض هذا العداء واضح ومباشر مثل عداء الملحدين والفلاسفة الإنسانيين، والديانات الأخرى، في حين أن قدرًا كبيرًا منه غير مباشر وخبيث يصعب تمييزه، وهو عادة الأشد خطورة. فقد وَجَدَتِ التعاليمُ الكاذبة طريقها إلى الكنائس التي كانت ذات يوم كتابية وإنجيلية. وأنصار الأناجيل الكاذبة، مهما كان شكلها، «يحرِّفون... الكتب، لِهَلَاكِ أَنْفُسِهِمْ» (2بطرس 3: 16)، وكذلك لهلاك الذين يُضِلُّونهم.
لم يأتِ وقت في تاريخ الكنيسة كان فيه الاحتياج إلى التمييز أكثر من يومنا هذا. فالكنيسة في حاجة ماسة إلى الانتباه جيدًا إلى تحذير الرب القائل: «اِحْتَرِزُوا مِنَ الأَنْبِيَاءِ الْكَذَبَةِ الَّذِينَ يَأْتُونَكُمْ بِثِيَاب الْحُمْلاَنِ، وَلكِنَّهُمْ مِنْ دَاخِل ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ» (متى 7: 15؛ راجع أعمال الرسل 20: 28-30؛ يهوذا 4). و«ثِيَابُ الْحُمْلاَنِ» تشير إلى أيِّ فكرة، أو مبدأ، أو ممارسة شريرة مغلَّفة في مصطلحات مسيحية. فمثل هذه التعاليم الشيطانية تبدو، دون الفحص الدقيق لها، كما لو كانت كتابية. ونظير تيموثاوس، على المؤمنين باستمرار وبعناية أن: «[يحْفَظُوا] الْوَدِيعَةَ، مُعْرِضين عَنِ الْكَلاَمِ الْبَاطِلِ الدَّنِسِ، وَمُخَالَفَاتِ الْعِلْمِ الْكَاذِبِ الاسْمِ» (1تيموثاوس 6: 20؛ راجع 2تيموثاوس 1: 14).
إن الهدف الإيجابي من جهاد المؤمنين معًا هو إعلان إِيمَانِ الإِنْجِيلِ. قال بطرس في يوم الخمسين: «تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ» (أعمال الرسل 2: 38). وشَهِدَ بعد ذلك بفترة وجيزة أمام رؤساء اليهود في تلك المدينة قائلًا:
«فَلْيَكُنْ مَعْلُومًا عِنْدَ جَمِيعِكُمْ وَجَمِيعِ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ، أَنَّهُ بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ، الَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمُ، الَّذِي أَقَامَهُ اللهُ مِنَ الأَمْوَاتِ ... هذَا هُوَ: الْحَجَرُ الَّذِي احْتَقَرْتُمُوهُ أَيُّهَا الْبَنَّاؤُونَ، الَّذِي صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ. وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاَصُ. لأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ» (أعمال الرسل 4: 10-12)
منذ بدء الكرازة الرسولية بالإنجيل تعرَّضت تصريحات الإنجيل المطلقة التي لا لبسَ فيها للسخرية. فبالنسبة للعالم غير المؤمن، هذه التصريحات هي جهالة الإنجيل الكبرى وفضيحته. غير أن هذه الحقائق الفريدة والحصرية هي لُبُّ الإنجيل وجوهره. قال يسوع: «أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي» (يوحنا 14: 6)، ويتكرَّر هذا التوكيد عبر كلِّ العهد الجديد.
للأسف، تحاول الكرازة في هذه الأيام الابتعاد عن الإزعاج والإساءة اللذين تسبِّبهما الكرازة عن الخطية، والتوبة، والقداسة، والاتضاع، حتى تكون الرسالة أكثر قبولًا لدى الطبيعة البشرية الساقطة والفاسدة. ويتعمَّد عدد متزايد من الكنائس التقليل من أهمية عناصر الخلاص الكتابية، ومن متطلبات التلمذة الحقيقية. وبذلك، يُنتقَص من قدر الإنجيل الحقيقي، أو يُختَزَل إلى مستوى ضعيف وعاجز. وهذه النسخ المزيَّفة والاختزالية تتضمن أنواعًا مختلفة من التسلية والترفيه.
ففي محاولة جعل الإنجيل جذابًا ومقبولًا، تخدم كنائس كثيرة -وإن كان عن غير قصد- بأساليب تُفسِد فاعلية كلمةَ الله نفسها التي تنادي بها. ومن المشجِّع أن الوعظ التفسيري القائم على أساس كتابي والمدروس بعناية والسليم لاهوتيًّا، عاد إلى الظهور من جديد. لكن بوجه عام، صار الغرض من معظم خدمات العبادة الإنجيلية، وفصول مدارس الأحد (بما في ذلك فصول البالغين)، واجتماعات الشباب، وغيرها من الأنشطة هو في المقام الأول إشباع الحاضرين وإرضاؤهم عاطفيًّا. وصارت العبادة التي مركزها الله، أي العبادة التبجيلية الرصينة المقترنة بالتعليم الجاد والوعظ والتقويم من كلمة الله، سلعةً نادرة.
وبقدر إشادة المؤمنين بعظماء الوعاظ واللاهوتيين في الماضي مثل جورج وايتفيلد، أو جوناثان إدواردز، أو تشارلز سبرجن، لن يحتمل غالبية أعضاء الكنائس اليوم الاستماعَ إلى أيٍّ من هؤلاء الرجال لما يزيد على بضع دقائق، ناهيك إذن من بضع ساعات (وهي مدة بعض عظاتهم بالفعل!). فقد يصرِّحون بأن هؤلاء الرجال كانوا أدوات رائعة في يد الرب في عصرهم فقط، لكنهم بعيدون كل البعد عمَّا يشغل الناس اليوم.
شجَّع بولس مؤمني فيلبي على أن يكونوا «غَيْرَ مُخَوَّفِينَ بِشَيْءٍ مِنَ الْمُقَاوِمِينَ». تأتي كلمة «مُخَوَّفِينَ» من الفعل اليوناني pturo، الذي لم يُستخدم في كلِّ العهد الجديد إلا في هذه الآية. وهو لم يكن يعني بالضرورة «خوف شديد»، مثل المعنى الذي توحي به كلمة terrified [«مرتعبين»]، التي استُخدِمت في ترجمة الملك جيمس الإنجليزية لهذا الفعل؛ بل كان الفعل يشير إلى قلق جاد ناشئ عن خوف. وكان يُستخدَم لوصف حصان مذعور يفرُّ أمام شيء غير مؤذ تمامًا، طارحًا راكبه أرضًا. فالمؤمنون في أيام بولس، بمَن فيهم مؤمنو فيلبي، كان لديهم في المعتاد أسباب بشرية وجيهة تدعوهم إلى الخوف من احتمالية تعرُّضهم للضرب، والسجن، بل والإعدام أيضًا على يد مقاومي الإنجيل. آخرون كانوا يواجهون مقاوِمين أقل خطورة إلى حدٍّ ما، مثل الأهل، والأصدقاء، والجيران، الذين كانوا يستهزئون بهم، ويتبرأون منهم. لكن بغض النظر عن خطورة صراعهم، كان ينبغي ألا يكونوا مُخَوَّفِينَ، لأن مجرد تعرُّضهم للهجوم لأجل الإنجيل هو بيِّنة على أن مقاوميهم متَّجهون نحو هلاكهم، وكذلك بيِّنة للخلاص الأبدي للمؤمنين. كلتا البيِّنتين هما مِنَ اللهِ، الأولى لكشف أعدائه، والثانية لتمييز أولاده. وبالمثل، شجَّع بولس مؤمني تسالونيكي الأمناء، قائلاً: «نَحْنُ أَنْفُسَنَا نَفْتَخِرُ بِكُمْ فِي كَنَائِسِ اللهِ، مِنْ أَجْلِ صَبْرِكُمْ وَإِيمَانِكُمْ فِي جَمِيعِ اضْطِهَادَاتِكُمْ وَالضِّيقَاتِ الَّتِي تَحْتَمِلُونَهَا»، ثم أوضح أن هذه «بَيِّنَةً عَلَى قَضَاءِ اللهِ الْعَادِلِ» (2تسالونيكي 1: 4-5؛ راجع الآيات 6-8).
تأتي كلمة «بيِّنة» من الكلمة اليونانية endeixis، التي تشير إلى إثبات صحة الشيء، أو تقديم دليل على صحته. بتعبيرٍ آخر، إن مقاومي الإنجيل، بعدائهم الشديد للمؤمنين وللإنجيل، يقدِّمون دليلًا مزدوجًا يشهد ضدهم ويشهد أيضًا لصالح المؤمنين.
أولاً، تُظهر البيِّنة أن أعداء الله وأعداء شعبه واقعون تحت دينونة الله القاسية. وَصَفَ بولس تلك الدينونة بالهلاك في إشارة إلى العقوبة الأبدية، وليس إلى الفناء. هذه المعاناة الأبدية في الجحيم هي التي وُصِفت في الرسالة الثانية إلى تسالونيكي على النحو التالي:
«حَتَّى إِنَّنَا نَحْنُ أَنْفُسَنَا نَفْتَخِرُ بِكُمْ فِي كَنَائِسِ اللهِ، مِنْ أَجْلِ صَبْرِكُمْ وَإِيمَانِكُمْ فِي جَمِيعِ اضْطِهَادَاتِكُمْ وَالضِّيقَاتِ الَّتِي تَحْتَمِلُونَهَا، بَيِّنَةً عَلَى قَضَاءِ اللهِ الْعَادِلِ، أَنَّكُمْ تُؤَهَّلُونَ لِمَلَكُوتِ اللهِ الَّذِي لأَجْلِهِ تَتَأَلَّمُونَ أَيْضًا. إِذْ هُوَ عَادِلٌ عِنْدَ اللهِ أَنَّ الَّذِينَ يُضَايِقُونَكُمْ يُجَازِيهِمْ ضِيقًا، وَإِيَّاكُمُ الَّذِينَ تَتَضَايَقُونَ رَاحَةً مَعَنَا، عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ الرَّبِّ يَسُوعَ مِنَ السَّمَاءِ مَعَ مَلاَئِكَةِ قُوَّتِهِ، فِي نَارِ لَهِيبٍ، مُعْطِيًا نَقْمَةً لِلَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ اللهَ، وَالَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ إِنْجِيلَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (1: 4-8)
دعا الرب يسوع المسيح هذا الهلاك في الجحيم بالنار الأبدية والعذاب الأبدي (متى 25: 30، 41). ويوضح المزمور 73 أن الأشرار الذين يبدو أنهم يتمتعون بالرخاء، ولا يقاسون الألم في هذه الحياة هم في حقيقة الأمر في حالة يُرثى لها، ومتجهون إلى الهلاك.
الأمر الثاني الذي تدل عليه هذه البيِّنة هو خلاص الذين يعانون عداء مقاومي الإنجيل. فاضطهاد المؤمنين لأجل المسيح يُثْبِتُ أنهم له. ومن ثمَّ، بدلًا من أن يصيب الاضطهاد المؤمنين بالإحباط، ينبغي أن يكون مصدرًا للثقة والفرح، لأنه يُثبِت ويُظهِر أنهم مخلَّصون. حظي بولس بشرف أن «[يَحْمِلَ] فِي [جَسَدِهِ] سِمَاتِ الرَّبِّ يَسُوعَ» (غلاطية 6: 17؛ راجع كولوسي 1: 24)، أي أن يتألم على يد مبغضي المسيح.
فيما تكافح الكنيسة لتتميم إرساليتها الإلهية، يجب ألا تُخَوَّف البتة، سواء من المقاومين غير المؤمنين في العالم، أو من المنتقِدين من داخل صفوفها. فهلاك مقاوميها وخلاصها مضمونان من الله، لأن النتائج هي من الله.
تحدَّث يسوع في يوحنا 3: 16-21 عن هذا الحق المزدوج نفسه، لكن بترتيب عكسي. ففي تصريح قوي وواضح، أكَّد الرب الهلاك الأبدي لغير المؤمنين، وكذلك يقين الحياة الأبدية للمؤمنين. فالتحذير من الهلاك يُفهَم ضمنًا من العبارتين «لاَ يَهْلِكَ» (الآية 16ج) و«لِيَخْلُصَ» (الآية 17ج). ثم في الآيات التالية، قُدِّم التحذير بكلمات محدَّدة على النحو التالي:
«وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ الْوَحِيدِ. وَهذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ، لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً. لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ السَّيِّآتِ يُبْغِضُ النُّورَ، وَلاَ يَأْتِي إِلَى النُّورِ لِئَلاَّ تُوَبَّخَ أَعْمَالُهُ» (الآيات 18-20)
The MacArthur Study Bible (John MacArthur)
١: ٢٨ بيِّنة للهلاك. عندما يتألَّم المؤمنون طوعيًّا «غيرَ مُخوَّفين»، فهذه علامةٌ على أنّ أعداء الله سيُدمَّرون ويهلكون هلاكًا أبديًّا (رج ح ٢تس ١: ٤-٨).
Please enter your comment or explain a problem you found below.