ENGLISH / العربية

الرجاء إدخال تعليقك أو فسّر عن المشكلة التي واجهتها في الأسفل.

شكراً، رسالتكم قد أرسلت

الآية التالية
الذهاب
:
الآية السابقة

تفاسير

فيلبي ١: ١٠ حَتَّى تُمَيِّزُوا ٱلْأُمُورَ ٱلْمُتَخَالِفَةَ، لِكَيْ تَكُونُوا مُخْلِصِينَ وَبِلَا عَثْرَةٍ إِلَى يَوْمِ ٱلْمَسِيحِ،

فيلبّي (جون ماك آرثر)

فيلبي ‎١:‏ ٩-١١

٣- العناصر الأساسية  للنمو في التقوى

فيلبي ١: ٩-١١

«وَهذَا أُصَلِّيهِ: أَنْ تَزْدَادَ مَحَبَّتُكُمْ أَيْضًا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ فِي الْمَعْرِفَةِ وَفِي كُلِّ فَهْمٍ،‏ حَتَّى تُمَيِّزُوا الأُمُورَ الْمُتَخَالِفَةَ، لِكَيْ تَكُونُوا مُخْلِصِينَ وَبِلاَ عَثْرَةٍ إِلَى يَوْمِ الْمَسِيحِ،‏ مَمْلُوئِينَ مِنْ ثَمَرِ الْبِرِّ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِمَجْدِ اللهِ وَحَمْدِهِ»  (فيلبي ١: ٩-١١)

إن شغف بولس بالنمو الروحي للمؤمنين الذين تحت رعايته لم يتجلَّ فقط في كرازته، وتعليمه، وكتابته، بل تجلَّى أيضًا على النحو الأسمى في حياة الصلاة التي عاشها. فقد أكَّد لقرّائه في الرسالة إلى أفسس:

«لاَ أَزَالُ شَاكِرًا لأَجْلِكُمْ، ذَاكِرًا إِيَّاكُمْ فِي صَلَوَاتِي، كَيْ يُعْطِيَكُمْ إِلَهُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَبُو الْمَجْدِ، رُوحَ الْحِكْمَةِ وَالإِعْلاَنِ فِي مَعْرِفَتِهِ، مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي الْقِدِّيسِينَ» (أفسس ١: ١٦-١٨)

ثم أضاف لاحقًا في تلك الرسالة نفسها:

«بِسَبَبِ هذَا أَحْنِي رُكْبَتَيَّ لَدَى أَبِي رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ،‏ الَّذِي مِنْهُ تُسَمَّى كُلُّ عَشِيرَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَعَلَى الأَرْضِ. ‏لِكَيْ يُعْطِيَكُمْ بِحَسَبِ غِنَى مَجْدِهِ، أَنْ تَتَأَيَّدُوا بِالْقُوَّةِ بِرُوحِهِ فِي الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ، ‏لِيَحِلَّ الْمَسِيحُ بِالإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ،‏ وَأَنْتُمْ مُتَأَصِّلُونَ وَمُتَأَسِّسُونَ فِي الْمَحَبَّةِ، حَتَّى تَسْتَطِيعُوا أَنْ تُدْرِكُوا مَعَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، مَا هُوَ الْعَرْضُ وَالطُّولُ وَالْعُمْقُ وَالْعُلْوُ، ‏وَتَعْرِفُوا مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ الْفَائِقَةَ الْمَعْرِفَةِ، لِكَيْ تَمْتَلِئُوا إِلَى كُلِّ مِلْءِ اللهِ»‏ (أفسس ٣: ١٤-١٩)

كذلك، كانت رغبة بولس الشديدة وصلواته لأجل مؤمني كولوسي هي أن يسلكوا «كَمَا يَحِقُّ لِلرَّبِّ، فِي كُلِّ رِضىً، مُثْمِرِينَ فِي كُلِّ عَمَل صَالِحٍ، وَنَامِينَ فِي مَعْرِفَةِ اللهِ» (كولوسي ١: ١٠). وقد أكَّد أيضًا محبته لأهل تسالونيكي بقوله: «نَشْكُرُ اللهَ كُلَّ حِينٍ مِنْ جِهَةِ جَمِيعِكُمْ، ذَاكِرِينَ إِيَّاكُمْ فِي صَلَوَاتِنَا» (١تسالونيكي ١: ٢). كما كان بولس يَذكُر أشخاصًا معيَّنين في صلاته بالطريقة نفسها، مثلما أكَّد لتيموثاوس قائلًا: «كَمَا أَذْكُرُكَ بِلاَ انْقِطَاعٍ فِي طَلِبَاتِي لَيْلاً وَنَهَارًا» (٢تيموثاوس ١: ٣)، ومثلما أكَّد لفليمون قائلًا: «أَشْكُرُ إِلهِي كُلَّ حِينٍ ذَاكِرًا إِيَّاكَ فِي صَلَوَاتِي‏ ... ‏لِكَيْ تَكُونَ شَرِكَةُ إِيمَانِكَ فَعَّالَةً فِي مَعْرِفَةِ كُلِّ الصَّلاَحِ الَّذِي فِيكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ» (فليمون ٤، ٦).

في هذا النص من الرسالة إلى فيلبي، بعدما حيَّا بولس مؤمني فيلبي (١: ١-٢)، وذَكَر صلاته لأجلهم (١: ٣-٨)، كَشَفَ عن المضمون المحدَّد لتلك الصلوات. وكما كان الحال في كلِّ صلوات بولس المكتوبة، لم يُصلِّ الرسول لأجل الاحتياجات الجسدية، أو لأجل نمو الكنيسة في العدد. لم يكن ذلك يعني أن تلك الأمور غير مهمة عند بولس، لكنه يعني أن القضايا الروحية لها أهمية قصوى. فقد صنع بولس معجزات شفاء جسدية (أعمال الرسل ١٤: ٨-١٠؛ ١٩: ١١-١٢؛ ٢٠: ٩-١٢)، ونَصَحَ تيموثاوس قائلًا: «لاَ تَكُنْ فِي مَا بَعْدُ شَرَّابَ مَاءٍ، بَلِ اسْتَعْمِلْ خَمْرًا قَلِيلاً مِنْ أَجْلِ مَعِدَتِكَ وَأَسْقَامِكَ الْكَثِيرَةِ» (١تيموثاوس ٥: ٢٣)؛ لكنَّ محور تركيز صلواته تعلَّق بفائدة الآخرين الروحية.

لا توجد علامة على مستوى النضج الروحي للمؤمن أصدق من حياة الصلاة التي يعيشها. تكشف حياة صلاة بولس عن روحانيته الحقيقية أكثر مما تكشف كلُّ كرازته، وتعاليمه، ومعجزاته، بقدر روعة تلك الأمور ومبارَكة الله لها. كان عمل روح الله في قلب بولس بقوة وباستمرار هو ما يدفعه دفعًا إلى أن يصلِّي.

من الواضح أن الصلاة واجب روحي على المؤمنين. علَّم يسوع «أَنَّهُ يَنْبَغِي [على المؤمنين] أَنْ يُصَلَّى كُلَّ حِينٍ وَلاَ يُمَلَّ» (لوقا ١٨: ١). وحثَّ بولس المؤمنين على أن يكونوا «مُواظِبِينَ عَلَى الصَّلاَةِ» (رومية ١٢: ١٢)؛ وأوصاهم قائلًا: «لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى اللهِ» (فيلبي ٤: ٦). وأوصى بطرس المؤمنين قائلًا: «تَعَقَّلُوا وَاصْحُوا لِلصَّلَوَاتِ» (١بطرس ٤: ٧).

لكن الصلاة تتجاوز كثيرًا مجرد الواجب أو الالتزام؛ إذ هي ضرورة لا غنى عنها للمؤمن الناضج روحيًّا. فلا تنشأ الصلاة الحارة من مجرد شعور بالواجب، بل من رغبة داخلية عميقة. وهي لا تنبع من إلزام خارجي، بل من شغف داخلي. فالصلاة هي بالطبيعة تعبيرٌ عن أشواق عميقة من قلب ممتلئ بالروح القدس إلى إكرام الله ومباركة البشر.

لا تتعلَّق درجة نضج المؤمن روحيًّا بمدى امتثاله الظاهري لوصية الصلاة، بل بمدى انحصاره الداخلي بأن يصلِّي، بفعل محبته القوية لله وللآخرين. إن أصدق أشواق القلب تخرج في الصلاة. والقلب الأناني السطحي، الذي يركِّز في المقام الأول على المشكلات، والصراعات، والمصالح الشخصية، ستنبعث منه صلوات أنانية وسطحية. أما القلب الذي يركِّز على مجد الرب، وصالح شعبه، فستنبعث منه صلوات تركِّز على مجد الله واحتياجات الآخرين. فلا يمكن للحسِّ القوي بالواجب والإلزام أن يعوِّض عن القلب الفاتر، أو أن تنبعث منه صلاة حارة. في فترة مبكِّرة من حياة الكنيسة، وضع الرسل المعيار عندما أوصوا جماعة المؤمنين بتعيين بعض الرجال للاهتمام بالاحتياجات العملية للكنيسة، حيث كان على الرسل أن «[يواظبوا] عَلَى الصَّلاَةِ وَخِدْمَةِ الْكَلِمَةِ» (أعمال الرسل ٦: ٤).

كان بولس مكرَّسًا للرب ولنفوس البشر لدرجة مكَّنت الروح القدس من أن يولِّد بداخل قلبه شغفًا بالصلاة. فقد كان يصلِّي على الدوام، لا من منطلق إحساس ناموسي بالإلزام، بل نبعًا من محبته الحقيقية العميقة للرب وللناس، ولا سيما شعب الرب. فقد كان يصلَّي لأجل غير المؤمنين، بمن فيهم الحكام الوثنيين والمستبدِّين الذين عانى هو وغيره من المسيحيين تحت حكمهم ظلمًا وألمًا شديدَين، وأَوصى جميع المؤمنين أن يفعلوا الشيء ذاته أيضًا (١تيموثاوس ٢: ١-٢؛ راجع رومية ١٣: ١-٧؛ ١بطرس ٢: ١٣-١٧). وكان يصلي بحرارة خاصة لأجل أنسبائه من اليهود غير المؤمنين، الذين كانت «مسرة قلبه وصلاته إِلَى اللهِ لأجلهم هي لخلاصهم» (رومية ١٠: ١). كانت تلك الرغبة نابعة من «حُزْنًا عَظِيمًا وَوَجَعًا فِي [قلبه] لاَ يَنْقَطِعُ» حتى إنه كان «[يود] لَوْ [كان هو نفسه] مَحْرُومًا مِنَ الْمَسِيحِ لأَجْلِ [إخوته أنسبائه] حَسَبَ الْجَسَدِ» (رومية ٩: ٢-٣).

لكن، كان بولس يصلِّي أغلب الوقت لأجل الكنيسة، أي لأجل إخوته الروحيين في المسيح (رومية ١: ٩؛ ٢تيموثاوس ١: ٣). وقد حثَّ المؤمنين الآخرين على أن يصلُّوا بحرارة، مثلما كان هو نفسه يقدِّم باستمرار «طِلْبَةٍ، لأَجْلِ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ» (أفسس ٦: ١٨؛ راجع كولوسي ١: ٣؛ ١تسالونيكي ٥: ١٧). وذكَّر مؤمني تسالونيكي قائلًا: «الأَمْرُ الَّذِي لأَجْلِهِ نُصَلِّي أَيْضًا كُلَّ حِينٍ مِنْ جِهَتِكُمْ: أَنْ يُؤَهِّلَكُمْ إِلهُنَا لِلدَّعْوَةِ، وَيُكَمِّلَ كُلَّ مَسَرَّةِ الصَّلاَحِ وَعَمَلَ الإِيمَانِ بِقُوَّةٍ،‏ لِكَيْ يَتَمَجَّدَ اسْمُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ فِيكُمْ، وَأَنْتُمْ فِيهِ، بِنِعْمَةِ إِلهِنَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (‏٢تسالونيكي ١: ١١-١٢).

يعرض النص الحالي من الرسالة إلى فيلبي خمسة أمور محدَّدة صلَّى بولس لأجلها بجدٍّ واجتهاد من أجل أهل فيلبي، ألا وهي: تَقَدُّمهم الروحي في المحبة، وفي التميُّز، وفي الاستقامة، وفي الأعمال الصالحة، وفي تمجيد الله. هذه هي العناصر الروحية الأساسية التي عيَّنها الله، وعلى جميع المؤمنين أن يطلبوها في الصلاة لأجل إخوتهم. وبسبب الخطية الساكنة في المؤمنين، وضعفهم البشري، يعجزون عن تتميم تلك الأهداف الروحية على نحو كامل؛ لكنها مع ذلك يجب أن تكون أهدافًا ثابتة يضعها كل واحد من أولاد الله نصب عينيه، ولا سيما مَن دعاهم الله إلى تولِّي مناصب قيادية في كنيسته. فالرسول نفسه اعترف لاحقًا في هذه الرسالة قائلًا: «لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلاً، وَلكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ الَّذِي لأَجْلِهِ أَدْرَكَنِي أَيْضًا الْمَسِيحُ يَسُوعُ» (فيلبي ٣: ١٢).

كما هو الحال في نصوص أخرى كثيرة (راجع رومية ٥: ٣-٤؛ ٢بطرس ١: ٥-٧)، تلك الأمور التي ذكرها بولس في فيلبي١: ٩-١١ متعاقبة؛ بُنِيَ كلٌّ منها على ما قبله. فالمحبة المتزايدة تؤدي إلى التميُّز الروحي، الذي يؤدِّي إلى الاستقامة الشخصية، التي تؤدي إلى أعمال صالحة حقيقية. وكلُّ هذه معًا تبلغ الهدف الأسمى الذي هو مجد الله وحمده.


فيلبي ‎١:‏ ١٠

التميُّز

«حَتَّى تُمَيِّزُوا الأُمُورَ الْمُتَخَالِفَةَ» (١: ١٠أ).

بعدما رسَّخ بولس أولوية المحبة في الآية ٩، تابع حديثه عن عناصر النمو الروحي ليتناوُل العنصر الأساسي الثاني، وهو التمييز. تشير كلمة «حَتَّى» هنا إلى أن العنصر الأساسي الأول هو الأساس للعنصر الأساسي الثاني. فالأمر يتدرَّج من المحبة، التي تشمل معرفة الحق الإلهي والتمييز الروحي، إلى التميُّز، أي التفكير والسلوك بطريقة كتابية. فعندما تهيمن محبةُ الله على المؤمن ستصحبها رغبةٌ في أن يسلك بحسب مشيئة الله بأقصى ما بوسعه من أمانة. وتلك الرغبة قائمة جزئيًّا على الشعور بالواجب. فالكتابُ المقدس يوصي المؤمنين قائلًا: «كُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ» (متى ٥: ٤٨). لذلك، لن يتمكن المؤمنون البتة من أداء واجبهم تجاه الله أو تجاه الآخرين على نحو كامل. فبعدما روى يسوع قصة عبدٍ يطيع سيده البشري، اختتم حديثه قائلًا: «كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا، مَتَى فَعَلْتُمْ كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا: ʼإِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ، لأَنَّنَا إِنَّمَا عَمِلْنَا مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْنَا‘« (لوقا ١٧: ١٠). وكانت الفكرة التي أراد التعبير عنها هي أنه إذا كان تتميم الواجب نحو سيد بشري على نحو كامل هو أمر غير ممكن على الإطلاق ، فكم بالحري يكون واجب المؤمنين نحو الله؟

لكن تمتُّع المؤمنين بمحبة حقيقية وعميقة لله -والأكثر من ذلك اختبارهم لمحبته من نحوهم- يجعل دافعهم لإطاعته أكثر بكثير من مجرد أداء واجب. والطاعة المدفوعة بالمحبة لله لا تصير فقط هدفَ المؤمنين الأسمى، بل وتصير مصدر سرورهم وشبعهم الفائقين.

يأتي الفعل «تُمَيِّزُوا» من الفعل dokimazō، وهو فعل شائع الاستخدام في العهد الجديد، ويُترجَم بعدة طرائق، منها: «يَسمح، ويَفحص، ويُثْبِتُ»، و«يميِّز» أيضًا. كانت هذه الكلمة تُستخدَم في اللغة اليونانية الكلاسيكية للإشارة إلى فحص المعادن ومعايرتها لتحديد مدى نقاوتها، وكذلك لاختبار العملات المعدنية سواء من حيث نقاء معدنها أو أصالتها. في لوقا ١٢: ٥٦، تُرجمت هذه الكلمة أيضًا إلى «تُمَيِّزُوا»،[١] واستُخدمت للإشارة إلى التنبُّؤ بحالة الطقس. قال يسوع للجمع الغفير الذي خرج ليسمعه: «يَا مُرَاؤُونَ! تَعْرِفُونَ أَنْ تُمَيِّزُوا [«تحلِّلوا» أو «تفحصوا»] وَجْهَ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَأَمَّا هذَا الزَّمَانُ فَكَيْفَ لاَ تُمَيِّزُونَهُ؟» وبعد ذلك بفترة وجيزة، وفيما كان يسوع يقص ​​مَثَلًا عن الملكوت، في أثناء تناوله الطعام مع جماعة من الفريسيين البارزين، تحدَّث عن رجل اعتذر عن حضور عشاء أقامه رجل ثري قائلًا: «إِنِّي اشْتَرَيْتُ خَمْسَةَ أَزْوَاجِ بَقَرٍ، وَأَنَا مَاضٍ لأَمْتَحِنَهَا» (لوقا ١٤: ١٩). معنى كلمة تُمَيِّزُوا يتجاوز بكثير مجرد الإقرار أو الاتفاق على صحة شيء ما. فقد ناشد بولس المؤمنين أن يَدرسوا، ويبحثوا، ويحقِّقوا، ثم يحدِّدوا أفضل السبل الممكنة لإطاعة الرب وإرضائه، ثم يسلكوا بموجب ذلك.

يمكن لترجمة الفعل dokimazō إلى «تُمَيِّزُوا» إذن (وهو ما جاء بالفعل في الترجمة العربية البستاني-فاندايك) أن تكون استكمالًا للدعوة إلى التمييز المقدَّمة في ختام الآية ٩. ولهذا، يمكن للترجمة العربية المبسَّطة التي تقول: «فَتَتَمَكَّنُوا مِنْ تَمْيِيزِ مَا هُوَ أفْضَلُ» أن تكون نافعة في هذا الصدد. وعبارة «تُمَيِّزُوا الأُمُورَ الْمُتَخَالِفَةَ» معناها تقييم وتحديد وتمييز ما هو أفضل وأهم. وهذا شبيه إلى حدٍّ كبير بنصيحة بولس اللاحقة، التي تقول: «أَخِيرًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ كُلُّ مَا هُوَ حَق، كُلُّ مَا هُوَ جَلِيلٌ، كُلُّ مَا هُوَ عَادِلٌ، كُلُّ مَا هُوَ طَاهِرٌ، كُلُّ مَا هُوَ مُسِرٌّ، كُلُّ مَا صِيتُهُ حَسَنٌ، إِنْ كَانَتْ فَضِيلَةٌ وَإِنْ كَانَ مَدْحٌ، فَفِي هذِهِ افْتَكِرُوا» (٤: ٨). الأُمُورَ الْمُتَخَالِفَةَ (الأمور الأفضل أو المتميِّزة) هي كلُّ الحقائق، والمواقف، والأفكار، والأقوال، والأفعال التي تعبِّر عن مشيئة الله للمؤمن. وهي عناصر التفكير والسلوك المقدَّسَين. 

لا يتحدَّث بولس هنا عن التمييز بين الخير والشر، الذي لا يتطلب سوى معرفة بأساسيات كلمة الله. فحتى إبليس وملائكته يعرفون ما هو الخير والشر، والحق والباطل، والصواب والخطأ. فهم يعرفون جيدًا، على سبيل المثال، أنه لا يوجد سوى إله واحد (يعقوب ٢: ١٩). وفي فترة مبكِّرة من خدمة يسوع على الأرض، عرف هؤلاء الشياطين (بل واعترفوا أيضًا) أن يسوع هو ابن الله (لوقا ٤: ٤١؛ راجع الآيتين ٣، ٩). لكن المقصود هنا بالأحرى هو الرغبة والقدرة على اكتشاف الأُمُورَ الْمُتَخَالِفَةَ (الأمور الأفضل) بشكل صحيح، حتى يعيش المؤمنون حياتهم بأعلى مستوى من التكريس الروحي والطاعة الروحية. تلك القدرة تميِّز المؤمن المكرَّس بالكامل عمَّن هو أقل تكريسًا، وتميِّز الناضج عن غير الناضج، والقوي في الإيمان عن الضعيف، والخادم الفعال للرب عن غير الفعال. فالمؤمنون الذين يعيشون في أعلى مستوى من التكريس لله ولمشيئته ذوو رأي واحد وثابت، ومستوى تركيزهم عال، ولا ينشغلون بالأمور الكثيرة التي تشتت الانتباه، والتي تعترض طريقهم، وهي أمور لا حصر لها.

للأسف، ينتقل مؤمنون كثيرون بسهولة من أمر إلى آخر، ويتأرجحون من التزام أو اهتمام إلى آخر. فهم يجولون هنا وهناك، ويتفاعلون مع أيِّ ظرف يصادفهم، أو أي فكرة تخطر ببالهم. وتكون النتيجة أنهم يكونون، مثل الأطفال، «مُضْطَرِبِينَ وَمَحْمُولِينَ بِكُلِّ رِيحِ تَعْلِيمٍ، بِحِيلَةِ النَّاسِ، بِمَكْرٍ إِلَى مَكِيدَةِ الضَّلاَلِ» (أفسس ٤: ١٤). وحتى عندما يحاولون فعل أمور صالحة وصائبة كتابيًّا، يَحُوْلُ افتقارهم إلى التمييز والمثابرة دون أن يكون لهذا العمل فاعلية حقيقية. والأسوأ من ذلك هو أن عدم نضجهم يمنعهم من السعي إلى الأمور الأهم، والأكثر حيوية، والأشد ضرورة للملكوت، أي الأُمُورَ الْمُتَخَالِفَةَ. وطوال تاريخ الكنيسة، منذ أيام بولس حتى يومنا هذا، لطالما كان هناك نقصٌ في عدد المؤمنين الذين يتَّسمون بالتميُّز. فحتى أهل فيلبي المحبِّين والأمناء كانوا بحاجة إلى تشجيع مستمر كي يسعوا إلى أفضل الأهداف الروحية (أي أكثرها تميُّزًا). وحتى أولئك الذين يكرِّسون أنفسهم للسعي للتميُّز معرَّضون دائمًا لخطر خسارته إذا سمحوا لشغفهم بالرب أن يفتر، مثلما حدث مع كنيسة أفسس (رؤيا ٢: ٤).

إن تمييز الأُمُورَ الْمُتَخَالِفَةَ يشمل العقل. فهو مبنيٌّ على «الْمَعْرِفَةِ و... كُلِّ فَهْمٍ» (الآية ٩)، اللذين يتولَّدان في الذهن عن طريق الاجتهاد لمعرفة حقائق الكتاب المقدس. عندما كتب بولس أن «لَنَا فِكْرُ الْمَسِيحِ» (١كورنثوس ٢: ١٦)، كان يقصد الإعلان الإلهي، أي الكتاب المقدس، الذي يُعْلَنُ فيه فكرُ المسيح. لدى المؤمنين بالكتاب المقدس، لكن غالبيتهم لا يعرفون أمور الله العميقة، وليس لهم فكر المسيح، أي إنهم لا يتبنُّون المنظور الإلهي عن كلِّ شيء.

على المؤمن الذي يتَّسم بالفهم والتمييز ألا يكون ضحية لمشاعره ودوافعه الشخصية إذا أراد أن ينجح في سعيه إلى بلوغ التميُّز الروحي. نَصَحَ بولس المؤمنين في رومية قائلًا: «لاَ تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ اللهِ: الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ» (رومية ١٢: ٢). وتدل دعوة بولس إلى تجديد الذهن على أن النمو في النعمة هو عملية مستمرة. وإذ كان بولس قد بلغ هذا التميُّز بالفعل، صار لديه مبرِّر أن يقدِّم نفسه نموذجًا يُحتذى به، قائلًا: «مَا تَعَلَّمْتُمُوهُ، وَتَسَلَّمْتُمُوهُ، وَسَمِعْتُمُوهُ، وَرَأَيْتُمُوهُ فِيَّ، فَهذَا افْعَلُوا» (فيلبي ٤: ٩).

ذكَّر بولس أهل كولوسي قائلًا: «الَّذِي نُنَادِي بِهِ [المسيح] مُنْذِرِينَ كُلَّ إِنْسَانٍ، وَمُعَلِّمِينَ كُلَّ إِنْسَانٍ، بِكُلِّ حِكْمَةٍ، لِكَيْ نُحْضِرَ كُلَّ إِنْسَانٍ كَامِلاً فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ» (كولوسي ١: ٢٨). وحثَّ أهل أفسس على أن يسلكوا: «كَأَوْلاَدِ نُورٍ. ‏لأَنَّ ثَمَرَ الرُّوحِ هُوَ فِي كُلِّ صَلاَحٍ وَبِرّ وَحَقّ.‏ مُخْتَبِرِينَ مَا هُوَ مَرْضِيٌّ عِنْدَ الرَّبِّ» (أفسس ٥: ٨-١٠). كما حثَّ مؤمني تسالونيكي على أن «[«يمتحنوا»] كُلَّ شَيْءٍ. [«ويتمسَّكوا»] بِالْحَسَنِ» (١تسالونيكي ٥: ٢١). كان هذا الهدف نفسه في ذهن يوحنا عندما كَتَبَ: «أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، لاَ تُصَدِّقُوا كُلَّ رُوحٍ، بَلِ امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟ لأَنَّ أَنْبِيَاءَ كَذَبَةً كَثِيرِينَ قَدْ خَرَجُوا إِلَى الْعَالَمِ.‏ بِهذَا تَعْرِفُونَ رُوحَ اللهِ: كُلُّ رُوحٍ يَعْتَرِفُ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْجَسَدِ فَهُوَ مِنَ اللهِ» (١يوحنا ٤: ١-٢). كذلك، ردَّد بطرس صدى هذا الهدف الأساسي، في نُصْحِه المؤمنين قائلًا: «انْمُوا فِي النِّعْمَةِ وَفِي مَعْرِفَةِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (٢بطرس ٣: ١٨). وأثنى الرب على كنيسة أفسس لأنها «جَرَّبْتَ الْقَائِلِينَ إِنَّهُمْ رُسُلٌ وَلَيْسُوا رُسُلاً، فَوَجَدْتَهُمْ كَاذِبِينَ» (رؤيا ٢: ٢).

عندما ذهب جون ويسلي إلى أكسفورد، كتبت سوزانا، والدته التقية، في إحدى رسائلها الكثيرة إليه الكلمات الحكيمة التالية: «كلُّ ما يضعف فكرك وعقلك، أو يعيق حساسية ضميرك، أو يحجب وعيك بالله، أو يقضي على تلذُّذك بالأمور الروحية، أو يزيد سلطان جسدك على عقلك، هو خطية».

تنبع السيرة المسيحية الحسنة في أعلى مستوياتها من المحبة التي غرسها الله بداخل المؤمن، والتي تزداد باستمرار. وهذا يؤدي إلى فهم غني للحق الإلهي المعلَن في الكتاب المقدس، وطاعة أمينة له.


 
[١] [المترجم] بحسب الترجمة الإنجليزية التي يستخدمها هذا الكتاب، وهي New American Standard Bible ، تُرجمت الكلمة إلى «تُحَلِّلوا» (analyze) .

الاستقامة

«لِكَيْ تَكُونُوا مُخْلِصِينَ وَبِلاَ عَثْرَةٍ إِلَى يَوْمِ الْمَسِيحِ» (١: ١٠ب)

العنصر الأساسي الثالث للنمو في التقوى هو الاستقامة الشخصية والاستقامة في العلاقات. ، تدل كلمة «لِكَيْ» هنا -مِثل كلمة «حَتَّى» في بداية الآية ١٠- على استمرار التدرُّج. فالاستقامة الروحية قائمة على التميُّز الروحي، تمامًا مثلما يقوم التميُّز الروحي على المحبة الإلهية. وتمتُّع أحدهم بهذه الاستقامة معناه أن يكون «مُخْلِصًا وَبِلاَ عَثْرَةٍ إِلَى يَوْمِ الْمَسِيحِ».

تحمل الصفة eilikrinēs («مُخْلِصِينَ») معنيَين محتمَلين. يوجد جذر محتمَل لتلك الصفة يعبِّر عن فكرة الغربلة كالحبوب التي تمر عبر غربال لإزالة الشوائب منها. وإذا كان هذا هو أصل الكلمة الصحيح، يكون المعنى المقصود هنا هو الانفصال عن الباطل والانضمام إلى الحق، والانفصال عن الخطأ والانضمام إلى الصواب. لكن يبدو اشتقاق الكلمة من الجذر الآخر أكثر ملاءمة، لأنه ينقل فكرة امتحان الشيء في ضوء الشمس، وهو بذلك أكثر توافقًا مع تركيز بولس السابق على التمييز. وهذا المعنى متوافق أيضًا مع الكلمة اللاتينية التي جاءت منها الكلمة الإنجليزية sincere (التي معناها «مُخلِص أو صادق أو أصيل»). ففي روما القديمة، كان الفخار الفاخر رقيقًا وهشًّا نسبيًّا، وكانت بعض الشقوق تظهر به عادة عند تعريضه للنيران. وكانت المتاجر التي تمارس الغش تملأ هذه الشقوق بشمع صلب وداكن يمكن إخفاؤه سواء بطلاء الإناء أو تزجيجه (أي طلائه بطبقة زجاجية رقيقة)، غير أن هذا الشمع كان يذوب عندما يُملأ الإناء الفخاري بشيء ساخن. ففي الضوء العادي، كانت هذه الحيلة تمرُّ عادةً دون أن تنكشف. لكن عند تعريض الإناء لضوء الشمس، تنكشف الحيلة بوضوح، لأن الشمع كان يَظهر بلون داكن. وكان التجار ذوو السمعة الطيبة يختمون منتجاتهم عادة بعبارةsine cera  («بدون شمع») ضمانًا للجودة العالية.

ومثلما كان هذا الفخار يُعرَّض لضوء الشمس للكشف عن الشقوق أو العيوب الأخرى فيه، على المؤمن الطائع والأمين أن يحرص على كشف حياته أمام أشعة شمس الكتاب المقدس. قال كاتب الرسالة إلى العبرانيين: «لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ» (عبرانيين ٤: ١٢). لكن للأسف، يحاول كثيرون تغطية عيوبهم بطرائق مختلفة، حتى يظهروا أقل فسادًا روحيًا ممَّا هم عليه بالفعل؛ مستخدمين أمورًا مثل حضور الكنيسة بانتظام، والعطاء السخي، والنشاط في خدمات الكنيسة، واللغة الروحية في الحديث، ليظهروا بمظهر الاستقامة الروحية. لكن عندما يتعرَّضون لتجارب قاسية، أو يُضطهَدون لأجل إيمانهم، تَظهَر الشقوق.

ولأن الأبناء خطاة وساقطون (مزمور ٥١: ٥)، فليس آباؤهم وأمهاتهم مسئولين بالكامل عن سلوكهم، حتى في صغرهم. لكن استقامة الوالدين الروحية والأخلاقية، أو غيابها، يكون لها دائمًا تأثير عميق على الأبناء. في بعض الأحيان، وفي أشد البيوت تقوى، يتمرَّد الأبناء على الرب. لكن في غالبية الأحيان، يتمرَّد الابن الجانح بسبب رياء والديه، وإدراكه أن الإيمان الذي يجاهران به -بغض النظر عن كونه يبدو حقيقيًّا وصادقًا في أعين الآخرين في الكنيسة والمجتمع- لا يتجلَّى في سلوكهما الشخصي. ومع أن هذا لا يبرِّر خطايا هؤلاء الأبناء، لكنه يجعل والديهم شريكين في الذنب.

إلى جانب عدم الإيمان، كانت الخطية التي أدانها يسوع أكثر من غيرها هي الرياء، ولا سيما رياء الكتبة والفريسيين المتديِّنين بحسب الظاهر، في حين كانوا مصابين بالبر الذاتي (راجع متى ٧: ٥؛ ١٥: ٧؛ لوقا ١٢: ٥٦؛ ١٣: ١٥). كذلك، كان بولس يمقت الرياء والخداع، وحذَّر قائلًا: «اَلْمَحَبَّةُ فَلْتَكُنْ بِلاَ رِيَاءٍ. كُونُوا كَارِهِينَ الشَّرَّ، مُلْتَصِقِينَ بِالْخَيْرِ» (رومية ١٢: ٩). وأمكن للرسول بولس أن يشهد بصدق عن استقامته الشخصية، قائلًا: «لأَنَّنَا لَسْنَا كَالْكَثِيرِينَ غَاشِّينَ كَلِمَةَ اللهِ، لكِنْ كَمَا مِنْ إِخْلاَصٍ، بَلْ كَمَا مِنَ اللهِ نَتَكَلَّمُ أَمَامَ اللهِ فِي الْمَسِيحِ» (٢كورنثوس ٢: ١٧).

كذلك، تنقل كلمة eilikrinēs فكرة الترابُط، والوحدة، والاتحاد. ففي الحياة المسيحية المُخلِصة، كلُّ الأشياء تتوافق وتعمل معًا؛ ولا شيء فيها منفصل عن أساس إيمان الخلاص وعن حياة القداسة. فالجوانب العملية واليومية من الحياة تكون في تناغُم تام مع الجوانب الروحية الصريحة، مثل قراءة الكتاب المقدس، والصلاة، والعبادة، والفكر اللاهوتي، والأخلاق، وعمل الأعمال الصالحة. فإن الحياة المُخلِصة، وحياة الاستقامة، يشبهان صُنع الخُبز. فليس كافيًا أن نخلط كلَّ المكونات الصحيحة معًا في إناء، ثم نضعها في الفرن آملين أن يكون الناتج خبزًا؛ بل يجب أولًا خلط كل المكونات معًا بشكل صحيح، حتى يتلامس كلُّ مكوَّن مع المكونات الأخرى جميعها، لتكوين خليط واحدٍ متماسك.

تشمل الاستقامة الروحية أيضًا العلاقات مع الآخرين. أكد بولس في الرسالة الثانية إلى كورنثوس «أَنَّنَا فِي بَسَاطَةٍ وَإِخْلاَصِ اللهِ، لاَ فِي حِكْمَةٍ جَسَدِيَّةٍ بَلْ فِي نِعْمَةِ اللهِ، تَصَرَّفْنَا فِي الْعَالَمِ، وَلاَ سِيَّمَا مِنْ نَحْوِكُمْ» (٢كورنثوس ١: ١٢؛ راجع أعمال الرسل ٢٤: ١٦). وكان قد نصح مؤمني هذه الكنيسة في جزء سابق، قائلًا: «كُونُوا بِلاَ عَثْرَةٍ لِلْيَهُودِ وَلِلْيُونَانِيِّينَ وَلِكَنِيسَةِ اللهِ» (١كورنثوس ١٠: ٣٢). كما توسَّل إلى مؤمني رومية قائلًا: «فَلاَ نُحَاكِمْ أَيْضًا بَعْضُنَا بَعْضًا، بَلْ بِالْحَرِيِّ احْكُمُوا بِهذَا: أَنْ لاَ يُوضَعَ لِلأَخِ مَصْدَمَةٌ أَوْ مَعْثَرَةٌ» (رومية ١٤: ١٣). فالمؤمن الناضج لا يكتفي بالعزم على تجنُّب الخطية في حياته، لكنه يحرص أيضًا على ألا يقول أو يفعل شيئًا قد يُعثِر مؤمنًا آخر. فكل ما يؤذي ولو واحد فقط من أولاد الله يؤذي الكنيسة، التي هي جسد المسيح. ومن ثَمَّ، فإن الإساءة إلى أخ مؤمن هي إساءة للرب نفسه. في تحذير من أشد تحذيرات يسوع صرامة وقسوة، قال: «وِمَنْ أَعْثَرَ أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ الْمُؤْمِنِينَ بِي فَخَيْرٌ لَهُ أَنْ يُعَلَّقَ فِي عُنُقِهِ حَجَرُ الرَّحَى وَيُغْرَقَ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ» (متى ١٨: ٦).

كذلك، تعني الاستقامة وقوف المرء ضد العالم. أوضح يعقوب أن «اَلدِّيَانَةُ الطَّاهِرَةُ النَّقِيَّةُ عِنْدَ اللهِ الآبِ هِيَ هذِهِ: افْتِقَادُ الْيَتَامَى وَالأَرَامِلِ فِي ضِيقَتِهِمْ، وَحِفْظُ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِلاَ دَنَسٍ مِنَ الْعَالَمِ» (يعقوب ١: ٢٧). وحذَّر يوحنا قائلًا: «لاَ تُحِبُّوا الْعَالَمَ وَلاَ الأَشْيَاءَ الَّتِي فِي الْعَالَمِ. إِنْ أَحَبَّ أَحَدٌ الْعَالَمَ فَلَيْسَتْ فِيهِ مَحَبَّةُ الآبِ» (١يوحنا ٢: ١٥). كما ناشد بولس المؤمنين قائلًا: «وَلاَ تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ اللهِ: الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ» (رومية ١٢: ٢).

تعبِّر عبارة «بِلاَ عَثْرَةٍ» (aproskopos) عن نطاق الاستقامة وهدفها. ومعنى العبارة هو «بلا تعثُّر، أو إساءة». لذلك تنقل العبارة معنى عدم الوقوع في سلوك خاطئ، وعدم التسبُّب في وقوع الآخرين في الخطية. فأن يكون أحدهم بِلاَ عَثْرَةٍ يعني أن يمضي قُدمًا في حياته دون قصور أخلاقي.

ليست هذه دعوة إلى الكمال في القداسة -الذي لا ينطبق إلا على الله والقديسين الذين في المجد الأبدي- وذلك لأن بولس حثَّ أهل كورنثوس على أن: «يكونوا [بِلاَ عَثْرَةٍ] (aproskopos) لِلْيَهُودِ وَلِلْيُونَانِيِّينَ وَلِكَنِيسَةِ اللهِ» (١كورنثوس ١٠: ٣٢). فهذه دعوة للمؤمنين إلى أن يبذلوا كلَّ ما بوسعهم ليمجِّدوا الله ويسلكوا بشرف أمامه وأمام الآخرين. فعلى المؤمنين أن يعيشوا حياة الاستقامة كما عاش بولس (راجع أعمال الرسل ٢٣: ١؛ ٢٤: ١٦؛ ٢كورنثوس ١: ١٢؛ ٢تيموثاوس ١: ٣).

يَحدث السقوط في الخطية عادةً على مراحل. فأولًا، يتساهل المؤمن مع شيء يَعرف أنه شرٌّ. فربما ينتقده، لكنه لا يتخذ موقفًا صارمًا ضده. ثم بعد ذلك، يعطيه متَّسعًا في حياته، شيئًا فشيئًا، صائرًا كلَّ مرة أقل تحفظًا على شرِّه، إلى أن يتوقف الأمر عن أن يشكِّل له أزمة. بعد ذلك، يحاول إضفاء الشرعية عليه، مختلقًا الأعذار والتبريرات، ومدافعًا عنه. وأخيرًا، وحتمًا، يبدأ الاشتراك فيه؛ ويَقبله باعتباره جزءًا من نمط حياته الطبيعي. وحينئذ تختلط القِيَم والمعايير الدُنيَويّة بالقِيَم والمعايير الكتابية، حتى يصير الفرق بينهما ضبابيًّا. عبَّر ألكسندر بوب (Alexander Pope) في قصيدته الشهيرة بعنوان An Essay on Man («كلامٌ عن الإنسان»)، بأسلوب رائع وبليغ، ورصين في الآن ذاته، عن ذلك النمط المؤسف، قائلًا:

الرذيلةُ وحشٌ ملامحه مخيفة،

ما أن تراها تمقتها؛

ومع ذلك، حين تراها أكثر من اللازم، 

ويصبح وجهها مألوفًا،

تتحمَّلها أولًا، ثم تتعاطف معها، ثم تقبلها بسرور.

لا يهاجم الشيطان المؤمنين على نحوٍ مباشرٍ إلا نادرًا. فمنذ أول عمل شرير ارتكبه الشيطان في جنة عدن، استخدم المكر والخداع لتضليل شعب الله (تكوين ٣: ١؛ رؤيا ١٢: ٩). قال يسوع إن «ذَاكَ كَانَ قَتَّالاً لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَق. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ، لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ» (يوحنا ٨: ٤٤). ولذلك، على المؤمنين الذين يطلبون التميُّز ليس فقط أن يعرفوا كلمة الله، بل وأن ينموا ويتقدَّموا باستمرار في فهمها وتطبيقها بالروح القدس. فعليهم أن يُعَرِّضوا كلَّ فكرة، وكلَّ مفهوم، وكلَّ ممارسة لنور الكلمة الإلهي كي يَحكم عليها.

ليست المحبة الإلهية، أو التميُّز، أو الاستقامة أمورًا اختيارية، لكنها أمور إلزامية تدوم إِلَى يَوْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، حين سيأتي ثانية ليأخذ شعبه إليه (الآية ٦). وفي ذلك العصر المستقبلي «لَا بُدَّ أَنَّنَا جَمِيعًا نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ، لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِالْجَسَدِ بِحَسَبِ مَا صَنَعَ، خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا» (٢كورنثوس ٥: ١٠)، وفي ذلك اليوم، «عَمَلُ كُلِّ وَاحِدٍ سَيَصِيرُ ظَاهِرًا لأَنَّ الْيَوْمَ سَيُبَيِّنُهُ. لأَنَّهُ بِنَارٍ يُسْتَعْلَنُ، وَسَتَمْتَحِنُ النَّارُ عَمَلَ كُلِّ وَاحِدٍ مَا هُوَ» (١كورنثوس ٣: ١٣). حذََّر بولس قائلًا: «إِذًا لاَ تَحْكُمُوا فِي شَيْءٍ قَبْلَ الْوَقْتِ، حَتَّى يَأْتِيَ الرَّبُّ الَّذِي سَيُنِيرُ خَفَايَا الظَّلاَمِ وَيُظْهِرُ آرَاءَ الْقُلُوبِ. وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَدْحُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ اللهِ» (١كورنثوس ٤: ٥). فإن حقيقتنا ستنكشف في ذلك اليوم.

تفسير الكتاب المقدّس - جون ماك آرثر (جون ماك آرثر)

فيلبي ‎١:‏ ١٠

١: ١٠ تُميِّزوا الأُمور المتخالفة. استُعمِل الفعل «ميَّز» في اليونانيَّة الكلاسيكيَّة لوصف تحليل المعادن أو فحص النُّقود تحديدًا للأصالة (رج لو ١٢: ٥٦؛ ١٤: ١٩). «المتخالفة» إشارةٌ إلى التمييز. فالمؤمنون يحتاجون إلى القدرة على تمييز تلك الأُمور التي هي مهمَّة حقًّا حتّى يتمكَّنوا من تقرير الأولويَّات الصحيحة.
مُخلِصين وبلا عثرة. «مخلصين» تعني «ذوي أصالة» وربما عَنَت أصلاً، «مُمتحَنين بضوء الشمس». في العالم القديم، كان تُجّار الخزف الغشَّاشون يسدُّون بالشَّمع شُقوق مُنتَجاتهم الرخيصة قبل صقلها ودَهنها، ممَّا يجعل الأواني العديمة القيمة صعبًا تمييزُها عن تلك الثمينة. فكانت الطريقة الوحيدة لتجنُّب التعرُّض للغشِّ أن يُرفع الإناء في ضوء الشمس لجعل الشُّقوق المسدودة بالشمع واضحة. وقد عمد التجَّار إلى خَتمِ خَزَفِهم الفاخر القادر على الصمود أمام «شمس الامتحان» بالتعبير «سين سيرا»، ومعناه «بلا شمع».
بلا عثرة. يمكن ترجمتها «بلا لوم»، إشارة إلى الكمال والاستقامة في المعاملة. فعلى المؤمنين بالمسيح أن يعيشوا حياةَ كمالٍ حقيقيٍّ لا تدفع الآخرين إلى ارتكاب الخطيَّة (رج ح رو ١٢: ٩؛ ١كو ١٠: ٣١ و٣٢؛ ٢كو ١: ١٢؛ رج رو ١٤؛ ١كو ٨).
يوم المسيح. رج ح ع ٦.

صورة الكلام الصّحيح (.م .م)

فيلبي ‎١:‏ ١٠
«ٱلْمُتَخَالِفَةَ،» التّرجمة المقترحة: الأفضل