ENGLISH / العربية

الرجاء إدخال تعليقك أو فسّر عن المشكلة التي واجهتها في الأسفل.

شكراً، رسالتكم قد أرسلت

الآية التالية
الذهاب
:
الآية السابقة

تفاسير

فيلبي ١: ١٦ فَهَؤُلَاءِ عَنْ تَحَزُّبٍ يُنَادُونَ بِٱلْمَسِيحِ لَا عَنْ إِخْلَاصٍ، ظَانِّينَ أَنَّهُمْ يُضِيفُونَ إِلَى وُثُقِي ضِيقًا.

فيلبّي (جون ماك آرثر)

فيلبي ‎١:‏ ١٢-١٨

 

٤- فرح الخدمة

الجزء الأول: 

رغم الضيق والمنتقِدين 

فيلبي ١: ١٢-١٨

«ثُمَّ أُرِيدُ أَنْ تَعْلَمُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنَّ أُمُورِي قَدْ آلَتْ أَكْثَرَ إِلَى تَقَدُّمِ الإِنْجِيلِ،‏ حَتَّى إِنَّ وُثُقِي صَارَتْ ظَاهِرَةً فِي الْمَسِيحِ فِي كُلِّ دَارِ الْوِلاَيَةِ وَفِي بَاقِي الأَمَاكِنِ أَجْمَعَ. ‏وَأَكْثَرُ الإِخْوَةِ، وَهُمْ وَاثِقُونَ فِي الرَّبِّ بِوُثُقِي، يَجْتَرِئُونَ أَكْثَرَ عَلَى التَّكَلُّمِ بِالْكَلِمَةِ بِلاَ خَوْفٍ.‏ أَمَّا قَوْمٌ فَعَنْ حَسَدٍ وَخِصَامٍ يَكْرِزُونَ بِالْمَسِيحِ، وَأَمَّا قَوْمٌ فَعَنْ مَسَرَّةٍ. ‏فَهؤُلاَءِ عَنْ تَحَزُّبٍ يُنَادُونَ بِالْمَسِيحِ لاَ عَنْ إِخْلاَصٍ، ظَانِّينَ أَنَّهُمْ يُضِيفُونَ إِلَى وُثُقِي ضِيقًا.‏ وَأُولئِكَ عَنْ مَحَبَّةٍ، عَالِمِينَ أَنِّي مَوْضُوعٌ لِحِمَايَةِ الإِنْجِيلِ. ‏فَمَاذَا؟ غَيْرَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ سَوَاءٌ كَانَ بِعِلَّةٍ أَمْ بِحَقّ يُنَادَى بِالْمَسِيحِ، وَبِهذَا أَنَا أَفْرَحُ. بَلْ سَأَفْرَحُ أَيْضًا»‏ (فيلبي ١: ١٢-١٨)

مِن المقاييس الأكيدة لنضج المؤمن روحيًّا هو ما يتطلَّبه سلبُ فرحه الذي من الروح القدس. اتضح نضج بولس جليًّا في هذا النص عندما أوضح أن الظروف الصعبة، والمزعجة، والمؤلمة، بل والتي كانت تهدِّد حياته، لم تسلبه فرحه، بل بالأحرى زادته.

مع أن الفرح عطيةٌ الله والروح القدس لكلِّ مؤمن (غلاطية ٥: ٢٢)، لكنه ليس دائمًا ثابتًا وكاملًا (راجع ١يوحنا ١: ٤). والسبب الأكيد الوحيد لفقدان الفرح في حياة المؤمن هو الخطية، التي تفسد شركته مع الرب، الذي هو مصدر فرحه. فالتوجهات والمواقف الخاطئة، مثل عدم الرضا، والمرارة، والعبوس، والشك، والخوف، والسلبية، تسبِّب فقدان الفرح. ولهذا، الوسيلة الوحيدة لاستعادة هذا الفرح المفقود هي التوبة، والرجوع إلى العبادة السليمة واللائقة لله، وإلى طاعته.

ينبغي ألا يسلب أيُّ شيء آخر غير الخطية - مهما كان صعبًا، أو مؤلمًا، أو مخيِّبًا للآمال- المؤمنَ فرحه. ومع ذلك، يمكن حتى للأمور البسيطة والتافهة أن تفعل ذلك إذا كان ردُّ فعل المؤمنين تجاهها خاطئًا. فالتدهور في الحالة الصحية، أو الوظيفة، أو الأحوال المالية، أو العلاقات الشخصية، أو في أيِّ مجال آخر من مجالات الحياة المهمة يمكن بسهولة أن يصيب المؤمنين بالشك في الرب وفي حكمته السيادية وفي تدبيره الكريم. وعندما يحدث ذلك، يكون الفرح أولى الخسائر. والمؤمنون يتعرضون لذلك بخاصة عندما تقع مثل هذه الأمور فجأة، بحيث تأخذهم على حين غرة. وعادة ما يستجيبون لذلك بغضب، أو شك، أو عدم ثقة، أو خوف، أو رثاء للذات، أو جحود، أو تذمُّر. في هذه الحالات، تؤدِّي تلك الأحداث -غير الخاطئة في حد ذاتها- إلى ردود فعل خاطئة تسلب الفرح.

تبيِّن كلمة الله بوضوح أن الضيق حتميٌّ في هذه الحياة (راجع أيوب ٥: ٧؛ ١٤: ١؛ جامعة ٢: ٢٣؛ يوحنا ١٦: ٣٣). ولا يُستثنى المؤمنون من المشكلات والصعوبات العامة التي تواجه جميع الناس. كما أنهم يُضطهدون من النظام العالمي المعادي لهم لأجل إيمانهم. قال يسوع: «اُذْكُرُوا الْكَلاَمَ الَّذِي قُلْتُهُ لَكُمْ: لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ. إِنْ كَانُوا قَدِ اضْطَهَدُونِي فَسَيَضْطَهِدُونَكُمْ» (يوحنا ١٥: ٢٠). ثم أضاف بعد ذلك بقليلٍ: «فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ، وَلكِنْ ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ» (يوحنا ١٦: ٣٣). وكتب يعقوب إلى المؤمنين المشتَّتين من اليهود في الكنيسة الأولى، الذين كانوا يقاسون اضطهادًا شديدًا، قائلًا: «اِحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ،‏ عَالِمِينَ أَنَّ امْتِحَانَ إِيمَانِكُمْ يُنْشِئُ صَبْرًا.‏ وَأَمَّا الصَّبْرُ فَلْيَكُنْ لَهُ عَمَلٌ تَامٌّ، لِكَيْ تَكُونُوا تَامِّينَ وَكَامِلِينَ غَيْرَ نَاقِصِينَ فِي شَيْءٍ» (يعقوب ١: ٢-٤). يستطيع الله أن يستخدم حتى أصعب التجارب والضيقات لخيرنا ولمجده.

كان بولس هو أكثر مَن فهم هذه الحقيقة بين كُتَّاب العهد الجديد. فقد كان نموذجًا استثنائيًّا لرجل الله الذي لم يتذبذب فرحه قط. وقد قاوَم كلَّ ما كان يهدِّد بأن يَحُول بينه وبين شركته الحميمة مع الرب، وثقته فيه. قطعًا، اختبر بولس الحزن والدموع، وعانى الحزن وخيبة الأمل، وشعر بالانزعاج بسبب المؤمنين الخطاة، والضعفاء، وكثيري الخصام. ومع ذلك، يبدو أن الظروف لم تُنْقِص من فرحه قط. بل حقيقة الأمر، يبدو أن أسوأ المحن لم تُسهِم إلا في تعزيز بهجة خلاصه (فيلبي ٤: ٤، ١٠-١٣).

بحلول الوقت الذي كَتب فيه بولس رسالته إلى فيلبي، كان قد واجه مشقات خطيرة من كلِّ صنف. فعندما كتب هذه الرسالة، كان سجينًا في روما. وإذ كان يرجو منذ زمان طويل أن يكرز في تلك المدينة العظيمة، كَتب إلى الكنيسة هناك الكلمات التالية قبيل بضع سنوات من ذهابه إلى هناك سجينًا، قائلًا:

«فَإِنَّ اللهَ الَّذِي أَعْبُدُهُ بِرُوحِي، فِي إِنْجِيلِ ابْنِهِ، شَاهِدٌ لِي كَيْفَ بِلاَ انْقِطَاعٍ أَذْكُرُكُمْ،‏ مُتَضَرِّعًا دَائِمًا فِي صَلَوَاتِي عَسَى الآنَ أَنْ يَتَيَسَّرَ لِي مَرَّةً بِمَشِيئَةِ اللهِ أَنْ آتِيَ إِلَيْكُمْ ‏. . . ‏ثُمَّ لَسْتُ أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنَّنِي مِرَارًا كَثِيرَةً قَصَدْتُ أَنْ آتِيَ إِلَيْكُمْ، وَمُنِعْتُ حَتَّى الآنَ، لِيَكُونَ لِي ثَمَرٌ فِيكُمْ أَيْضًا كَمَا فِي سَائِرِ الأُمَمِ» (رومية ١: ٩-١٠، ١٣؛ راجع الآية ١٥)

عبَّر الرسول هنا عن أكثر من مجرد رغبة شخصية في الخدمة في مكان جديد حافل بالتحديات. فقد كان مقتنعًا بأهمية الذهاب بالإنجيل إلى قلعة الوثنية تلك، واستخدام روما نقطةَ انطلاقٍ لمزيدٍ من الخدمة (حتى إلى إسبانيا، رومية ١٥: ٢٤). ويبدو من المشكوك فيه أنه كانت تجول بخاطره فكرة الخدمة في روما وهو سجين. كذلك، من المستبعَد أن يكون قد تخيَّل أنه سيصل إلى هناك بعد مكابدته عاصفة شديدة أدَّت إلى تحطم كارثي للسفينة (راجع أعمال الرسل ٢١: ٣٣-٢٨: ٣١). لكن بغض النظر عن الطريقة التي وصل بها إلى هناك، أو الظروف التي أعقبت وصوله إلى هناك، أراد بولس أن يكرز بالإنجيل هناك «بِمَشِيئَةِ اللهِ» (رومية ١: ١٠).

ومع أن بولس لم يكتب هذه الرسالة من داخل زنزانة، بل من مسكن خاص (أعمال الرسل ٢٨: ١٦، ٣٠)، لكنه كان مقيدًا ليلًا ونهارًا بسلاسل إلى جندي روماني. فلم يكن يحظى بالخصوصية عند تناول الطعام، أو النوم، أو الكتابة، أو الصلاة، أو الكرازة، أو التعليم، أو حين يزوره الأصدقاء (الآيات ١٧-٣١). ومع ذلك، كان انعدام الخصوصية هذا لمدة عامين هو نفسه الذي جعل من المستحيل أن يتجنَّب الجنود الرومان الذين يحرسونه الاستماع إلى رسالة الإنجيل، وأن يشهدوا تمثُّله اللافت للنظر بالمسيح. وكما توحي الآيات التالية، يبدو أن هذا قاد البعض منهم إلى الخلاص (فيلبي ١: ١٣-١٤؛ راجع ٤: ٢٢). فَرِحَ بولس بالخدمة التي دعاه الرب إليها، وبالثمر الروحي الذي أنتجته هذه الخدمة، حتى وإن كان في سلاسل.

تشير الآيات ١٢-٢٦ من الأصحاح الأول إلى أربعة عناصر لفرح بولس بالخدمة. فَرِحَ بولس رغم الضيق، لأن عمل المسيح يتقدم (الآيات ١٢-١٤)؛ ورغم المنتقِدين، لأن اسم المسيح يُنادَى به (الآيات ١٥-١٨)؛ ورغم الموت، لأن الرب يتمجَّد (الآيات ١٩-٢١)؛ ورغم كونه في الجسد، لأن الكنيسة تستفيد (الآيات ٢٢-٢٦).


فيلبي ‎١:‏ ١٥-١٨

رغم المنتقدين - لأن اسم المسيح يُنادَى به

«أَمَّا قَوْمٌ فَعَنْ حَسَدٍ وَخِصَامٍ يَكْرِزُونَ بِالْمَسِيحِ، وَأَمَّا قَوْمٌ فَعَنْ مَسَرَّةٍ.‏ فَهؤُلاَءِ عَنْ تَحَزُّبٍ يُنَادُونَ بِالْمَسِيحِ لاَ عَنْ إِخْلاَصٍ، ظَانِّينَ أَنَّهُمْ يُضِيفُونَ إِلَى وُثُقِي ضِيقًا. ‏وَأُولئِكَ عَنْ مَحَبَّةٍ، عَالِمِينَ أَنِّي مَوْضُوعٌ لِحِمَايَةِ الإِنْجِيلِ.‏ فَمَاذَا؟ غَيْرَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ سَوَاءٌ كَانَ بِعِلَّةٍ أَمْ بِحَقّ يُنَادَى بِالْمَسِيحِ، وَبِهذَا أَنَا أَفْرَحُ. بَلْ سَأَفْرَحُ أَيْضًا» (فيلبي ١: ١٥-١٨)

نظير الرب خلال خدمته على الأرض، حصل بولس على أكثر من نصيبه الطبيعي من المنتقدين والمستهينين به، الذين كان معظمهم ينتمون إلى المؤسَّسات الدينية اليهودية والوثنية. وسرعان ما وُجِد منتقدون أيضًا داخل صفوف الكنيسة، يسيئون إلى قادتها، ولا سيما أولئك الأكثر تقوى وفاعلية.

من أشد الخبرات إحباطًا التي يمكن لأي خادم لله أن يمرَّ بها هي توجيه المؤمنين الآخرين، ولا سيما من العاملين معه في الكنيسة، اتهامات باطلة له. من المتوقَّع أن تأتي الإساءات من غير المؤمنين، في حين ليس من المتوقَّع أن تأتي الإساءة من مؤمنٍ آخر. فالألم يكون أشدَّ كثيرًا عندما يأتي الافتراء على خدمة أحدهم، والتشويه لصورتها، وانتقادها ظلمًا من زملائه الوعاظ ومعلِّمي الإنجيل. هذا هو الوضع تحديدًا الذي واجهه بولس في روما، حيث كان قَوْمٌ من قادة الكنيسة عَنْ حَسَدٍ وَخِصَامٍ يَكْرِزُونَ بِالْمَسِيحِ مقاومين له.

في كنيسة كورنثوس، كانت توجد فصائل مناهضة لبولس وأخرى مؤيِّدة له، فقال لهم بولس: «فَأَنَا أَعْنِي هذَا: أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ يَقُولُ: ’أَنَا لِبُولُسَ‘، وَ’أَنَا لأَبُلُّوسَ‘، وَ’أَنَا لِصَفَا‘، وَ’أَنَا لِلْمَسِيحِ‘ (١كورنثوس ١: ١٢). فدون شك، أولئك الذين فضَّلوا أبلُّوس أو بطرس («صفا»، ١كورنثوس ٣: ٢٢) كانت لديهم تحفظات على بولس، تمامًا مثلما كانت لدى أولئك الذين فضَّلوا بولس على الأرجح تحفظات على الاثنين الآخرين. ويبدو أن حزب «المسيح» اعتبروا أنفسهم النخبة الروحية، بينما اعتبروا الآخرين أقل شأنًا منهم.

لم يكن منتقدو بولس، الذين كانوا «عَنْ حَسَدٍ وَخِصَامٍ يَكْرِزُونَ بِالْمَسِيحِ»، من الهراطقة كالمهوِّدين، لكنهم كانوا قويمي المعتقد من الناحية اللاهوتية. فقد كانوا يكرزون ويعلِّمون بإنجيل يسوع المسيح الحقيقي، ولم يقدِّموا «إِنْجِيلًا آخَرَ»، مثلما فعل البعض في كورنثوس وغلاطية (٢كورنثوس ١١: ٤؛ غلاطية ١: ٦). كما أنهم لم يكونوا «رُسُلٌ كَذَبَةٌ، فَعَلَةٌ مَاكِرُونَ، مُغَيِّرُونَ شَكْلَهُمْ إِلَى شِبْهِ رُسُلِ الْمَسِيحِ» (٢كورنثوس ١١: ١٣)، أو جزءًا من «الْقَطْعَ» («الختان الزائف») الذين ذكرهم بولس لاحقًا في الرسالة إلى فيلبي (فيلبي ٣: ٢).

تشير كلمة «أَمَّا» هنا إلى أن ما بعدها جملة اعتراضية من نوعٍ ما، وخروج قصير عن فكرة الفرح الرئيسية التي كان بولس يقدِّمها. كان بولس يقول ما مضمونه: «أُدرك تمامًا أنه ليس كلُّ شيء في الكنيسة كما ينبغي أن يكون. لستُ ساذجًا أو غافلًا عن دوافع بعض الرعاة والمبشِّرين. أَعلم جيدًا أنهم عَنْ حَسَدٍ وَخِصَامٍ يَكْرِزُونَ بِالْمَسِيحِ». فلم تكن المشكلة في الفكر اللاهوتي لهؤلاء الكارزين، بل في دوافعهم؛ ولم تكن فيما كانوا يكرزون به، بل في سبب كرازتهم به، وكان السبب هو «عَنْ حَسَدٍ وَخِصَامٍ».

كلمة Phthonos («حَسَدٍ») اليونانية معناها الرغبة في حرمان الآخرين ممَّا هو حق مشروع لهم، أو تمنِّي ألا يكون هذا الشيء عندهم، أو أن يكون عندهم بقدرٍ أقل. فإنه «حَسَدًا» (أي بدافع الحسد) أَسلم جموع اليهود (متى ٢٧: ١٨) ورؤساء الكهنة (مرقس ١٥: ١٠) يسوعَ إلى بيلاطس ليُصلَب. ضِمن الخصائص الشريرة الكثيرة التي يتسم بها «جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ، الَّذِينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْمِ» (رومية ١: ١٨)، أُدرج الحسد، إلى جانب الطمع، والقتل، والخصام، والمكر، والخبث، والنميمة، وغيرها من الخطايا الخطيرة (رومية ١: ٢٩؛ ١٣: ١٣؛ ١كورنثوس ١: ١١؛ ٣: ٣؛ ٢كورنثوس ١٢: ٢٠؛ غلاطية ٥: ١٩-٢١؛ ١تيموثاوس ٦: ٤؛ تيطس ٣: ٩). ذكَّر بولس تيطس قائلًا: «لأَنَّنَا كُنَّا نَحْنُ أَيْضًا قَبْلاً أَغْبِيَاءَ، غَيْرَ طَائِعِينَ، ضَالِّينَ، مُسْتَعْبَدِينَ لِشَهَوَاتٍ وَلَذَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، عَائِشِينَ فِي الْخُبْثِ وَالْحَسَدِ، مَمْقُوتِينَ، مُبْغِضِينَ بَعْضُنَا بَعْضًا» (تيطس ٣: ٣). لكن المؤمنين حصلوا على طبيعة جديدة (٢كورنثوس ٥: ١٧)، وهم يوصَون بأن يطرحوا عنهم بقوة الروح «كُلَّ خُبْثٍ وَكُلَّ مَكْرٍ وَالرِّيَاءَ وَالْحَسَدَ وَكُلَّ مَذَمَّةٍ» (١بطرس ٢: ١). وغَنِيٌّ عن القول أن المؤمنين كثيرًا ما يقصِّرون في إطاعة الكلمة والخضوع للروح القدس.

الحسد، أي الرغبة في زوال شيء ما عن الآخرين، وثيق الصلة بالغيرة، أي الرغبة في الحصول على ما لدى شخص آخر. ومن خلال السياق، كان أولئك الذين انتقدوا بولس على الأرجح يحسدونه ويغارون منه. فقد كانوا يحسدونه على موهبته، وعلى البركات التي يتمتع بها، وكذلك على ذكائه، وفاعليته في الخدمة، وربما بخاصةٍ لأنه كان موقَّرًا ومحبوبًا في الكنيسة. بل وربما كانوا يحسدونه أيضًا على لقاءاته الشخصية بالرب يسوع المسيح المُقام من بين الأموات والممجَّد (راجع أعمال الرسل ٩: ١-٦؛ ١٨: ٩-١١؛ ٢٢: ١٧-١٨؛ ٢٣: ١١). ومن ثَمَّ، فنظير جميع الذين يحرِّكهم الحسد والغيرة، اعتبر هؤلاء الرسولَ خطرًا يهدِّد مكانتهم وتأثيرهم في الكنيسة.

تأتي كلمة «خِصَامٍ» من كلمة eris اليونانية التي تشير إلى خلاف عدائي. وكثيرًا ما تأتي هذه الكلمة، كما أتت هنا، مرتبطةً بالحسد والغيرة، بالإضافة إلى مشاعر خاطئة أخرى، كالطمع، والخبث. فالحسد يؤدي إلى التنافس، والعداء، والنزاع.

لم يكن غرض بولس من التنويه بهذه المشكلة هو كَسْبُ التعاطف، ناهيك من الانتقام من منتقديه؛ لكنه كان يشير إلى أن الأمانة في الخدمة يجب أن تشمل دوافع سليمة بالإضافة إلى العقيدة السليمة. ولطالما وُجِد في الكنيسة أناسٌ دافعهم للخدمة هو الرغبة في التفوُّق على الآخرين. ولهذا، يستاء هؤلاء ممَّن هم محل احترام في الكنيسة، ومِن كل مَن خدمته مثمرة. مثل هؤلاء يتسببون حتمًا في حَسَدٍ وَخِصَامٍ؛ ويُلحِقون ضررًا كبيرًا بكنيسة المسيح.

لا نعرف تحديدًا طبيعة الكلام الذي قيل عن بولس بهدف إيذائه وتحطيم سمعته؛ لكن، لأن تلك التهم كانت باطلة، لم يكن للتفاصيل أهمية. فلم يكن غرض الرسول من هذه الآيات أن يَتخذ موقفًا دفاعيًا، بل فقط أن يقدِّم رواية صحيحة عن الوضع كما هو. وكما كان الحال في كورنثوس (راجع ١كورنثوس ١: ١١-١٧)، من المحتمل أنه كانت في الكنيسة أحزاب عديدة، يدَّعي كلٌّ منها إخلاصه، وتمتُّعه بالبصيرة والسلطة. فعندما وجد المعلِّمون الكذبة آذانًا صاغية لهم في كورنثوس، هاجموا بولس بلا رحمة، ممَّا دفعه إلى أن يكتب الرسالة الثانية إلى كورنثوس للردِّ على تلك الهجمات (راجع ٢كورنثوس ١٠: ١٠؛ ١١: ٦). ونظير أصدقاء أيوب، ربما ادَّعى بعض الكارزين الحاسدين في روما أن سَجن بولس جاء عقابًا من الرب له على خطية سرية معيَّنة (راجع يوحنا ٩: ١-٢). وربما رأى آخرون أن بولس مسجون لأنه لا يمتلك الإيمان الغالب الذي من شأنه أن يحقِّق له حريته. فبرأيهم، من الواضح أنه لم يستخدم قوة الروح القدس على النحو الكامل. وبالنسبة لهم، كان كونهم أحرارًا، وكونه في السجن، دليلًا قويًّا على أن قوَّته وفاعليته الروحية أدنى من قوتهم وفاعليتهم، وإلا فلمَ لم يحرِّره الله من السجن بمعجزة كما فعل معه قبلًا في فيلبي (أعمال الرسل ١٦: ٢٥-٢٦)؟ 

كذلك، ربما ظنَّ آخرون في كبريائهم وتعجرفهم أن الرب أبقى بولس في السجن بسبب كرازته بكلمة الله التي زعموا أنها كانت كرازة معيبة ومضلِّلة. وفي ضوء صعوبة الوصول إلى بولس أتيحت للناس فرصة أكبر للاستماع إلى خصومه، الذين ادَّعوا فهمًا للإيمان أعمق وأكثر اكتمالًا. ومثل بعض المسيحيين اليوم، ربما شعر هؤلاء أن بولس أصبح رجلًا عتيق الطراز، وأن الحاجة الآن إلى أسلوب كرازة أحدث وأكثر مواكبة للعصر، للوصول إلى شعب روما المتحضِّر. ربما قال آخرون أيضًا إنه لو كان بولس يرفض تمامًا تقديم أي تنازلات، ولو كان وفيًّا للإيمان إلى هذا الحد، لكان قد استُشهد منذ زمان طويل. لا بد إذن أنه عَقَدَ صفقة مع الرومان للحفاظ على حياته، والحصول على معاملة خاصة. تمدُّنا هذه التكهُّنات ببعض الأفكار المعقولة عن الأقاويل التي ربما كانت تُقال عن بولس.

تابَع بولس حديثه بسرور واضح، قائلًا: «وَأَمَّا قَوْمٌ فَعَنْ مَسَرَّةٍ». ومثل الحسد والخصام، تتعلق المسرَّة (eudokia) بالدافع، وهو في هذه الحالة دافع إيجابي يتعلَّق بالرغبة في الأفضل للآخرين. فلم يكتفِ هؤلاء المؤمنون الذين كانوا في روما بعدم انتقاد بولس، لكنهم أيضًا دعموه بحماس، وقدَّروا عمله. وكانت دوافعهم نقيّة وخالية من الأنانيّة. كما أنهم تعاطفوا معه، وعبَّروا عن امتنانهم له على أمانته في الكرازة بالإنجيل، وخدمته المُحِبَّة لهم.

فعلى عكس الذين انتقدوا بولس، أُولئِكَ (الذين كرزوا «عَنْ مَسَرَّةٍ») كرزوا بالمسيح عَنْ مَحَبَّةٍ. قبل ذلك ببضع سنوات فقط، في رسالة بولس الأولى إلى كنيسة كورنثوس، المليئة بالمشاحنات والانقسامات، كتب يقول:

«إِنْ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةِ النَّاسِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَقَدْ صِرْتُ نُحَاسًا يَطِنُّ أَوْ صَنْجًا يَرِنُّ. 

فدون المحبة، لن يكون أيُّ شيء يُصنَع باسم الرب -سواء كان كرازة، أو تعليم، أو خدمة، مهما كان مبهرًا أو سليمًا- مقبولًا حقًّا لدى الله، لأنه لن يُساوي شيئًا.

بحسب السياق، يبدو أن المحبة التي تحدَّث عنها بولس هنا كانت في المقام الأول محبة شخصية تجاهه. دون شك، كان هؤلاء المؤمنون الذين يكرزون «عَنْ مَسَرَّةٍ» يحبُّون الرب وبعضهم بعضًا، لكن التركيز هنا منصبٌّ على محبتهم للرسول. فقد كانوا مهتمين جدًّا به، وبمصلحته الشخصية، وكذلك بتأثير خدمته. وكانوا يَعلمون جيدًا أنه كان في السجن ليس بسبب خطيّة سريّة ارتكبها، أو أي عيب فيه؛ وليس بسبب عدم إخلاصه، بل بسبب ولائه للرب؛ وليس لأن عمله كان فاشلًا، بل لأنه حقق نجاحًا كبيرًا؛ وليس لأنه كان خارج مشيئة الله، بل لأنه كان في مركزها تمامًا. كان هؤلاء المؤمنون يعلمون أن بولس مَوْضُوعٌ لِحِمَايَةِ الإِنْجِيلِ (راجع فيلبي ١: ٧)، وكانوا ممتنِّين على طاعته الأمينة لتلك الدعوة، تلك الطاعة التي جلبت لهم بركة روحية غنيّة.

كلمة Keimai (مَوْضُوعٌ) اليونانية، التي كان معناها في الأصل هو الرقاد أو الاستلقاء، صارت تُستخدَم بعد ذلك للإشارة إلى التعيين الرسمي، وفي بعض الأحيان إلى المصير. كانت هذه الكلمة تُستخدم في الجيش للإشارة إلى مهمة خاصة، كالحراسة أو الدفاع عن موقع استراتيجي. عندما بارك سمعان الشيخ الطفل يسوع «قَالَ لِمَرْيَمَ أُمِّهِ: ʼهَا إِنَّ هذَا قَدْ وُضِعَ لِسُقُوطِ وَقِيَامِ كَثِيرِينَ فِي إِسْرَائِيلَ، وَلِعَلاَمَةٍ تُقَاوَمُ‏‘« (لوقا ٢: ٣٤). وباستخدام بولس لهذا اللفظ مجازيًّا، ذكَّر أهل تسالونيكي بأنه ينبغي ألا «يَتَزَعْزَعَ أَحَدٌ فِي هذِهِ الضِّيقَاتِ. فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّنَا مَوْضُوعُونَ [keimetha] لِهذَا» (١تسالونيكي ٣: ٣).

وُضِع (عُيِّن) بولس من الله لِحِمَايَةِ الإِنْجِيلِ. ففي حدث تجديده، قال يسوع إنه سيتحتَّم عليه أن «يَحْمِلَ [اسمه] أَمَامَ أُمَمٍ وَمُلُوكٍ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ» (أعمال الرسل ٩: ١٥؛ راجع ١٣: ٢؛ غلاطية ١: ١٥-١٦؛ أفسس ٣: ٦-٧). لم يكن سَجن بولس في روما حادثًا قدريًّا، أو في المقام الأول قرارًا اتَّخذه البشر، أو حتى قرارًا اتخذه بولس حين رفع دعواه إلى قيصر (أعمال الرسل ٢٥: ١١)، بل فوق كل شيء آخر، كان هذا السَّجن جزءًا أساسيًّا من مهمة الدفاع عن الإنجيل التي كلَّفه بها الله. وفي ضوء ذلك، كان مقدَّرًا لبولس، بموجب مشيئة الله، أن يدخل ذلك السجن، حتى يتسنَّى له أن يكرز بالإنجيل في روما.

أشار بولس في الآية ١٦ مرة أخرى إلى المنتقِدين، أي إلى المجموعة الأولى من المؤمنين (أو «هؤُلاَءِ») (الآية ١٥أ)، الذين «عَنْ تَحَزُّبٍ يُنَادُونَ بِالْمَسِيحِ لاَ عَنْ إِخْلاَصٍ». وكما ذكرنا أعلاه، لم يكن الخطأ في عقيدة هؤلاء؛ فقد كانوا يُنَادُونَ بِالْمَسِيحِ، لكنهم لم يكرزوا بالمسيح لمجده وإكرامه، بل لتمجيد ذواتهم، عَنْ تَحَزُّبٍ، أي لتحقيق طموحاتهم الأنانية.

لم تكن كلمة Eritheia («تَحَزُّبٍ») اليونانية تحمل في الأصل دلالة سلبية، بل كانت فقط تشير إلى العمل مقابل أجر. لكن في النهاية، اكتسبت الكلمة معنى بحث المرء عن مصلحته الشخصية فقط، بغض النظر عن عواقب ذلك على الآخرين. وكانت تُستخدَم للإشارة إلى أصحاب الوظائف الذين يحاولون تسلّق السلّم الوظيفي بلا رحمة وبأي وسيلة ممكنة، وكذلك للإشارة إلى السياسيين في سعيهم إلى الوصول إلى المنصب بأيِّ ثمن.

من المؤكَّد أن الذين انتقدوا بولس عن تحزُّب وطموح أناني لم يكرزوا عَنْ إِخْلاَصٍ. ولم يكتفِ هؤلاء بالسعي وراء مصالحهم الشخصية، لكن الأسوأ من ذلك أنهم سعوا أيضًا إلى إيذاء بولس، ظَانِّينَ أَنَّهُمْ يُضِيفُونَ إِلَى [وُثُقه] ضِيقًا. فقد انتقدوه واتهموه ظلمًا لغرض خبيث، ألا وهو مضاعفة ضيقه، مظهِرين قسوة لا تصدَّق ناتجة عن الغيرة، ومستخدِمين سجن بولس لتشويه سمعته والترويج لأنفسهم.

لكن، لم يكن ضيق بولس الرئيسي ناتجًا عن محنته، سواء التي تسبَّبت فيها روما، أو المؤمنون الآخرون، بل عن علمه بأن رياء منتقديه ودوافعهم الشريرة تُلحِق ضررًا كبيرًا بعمل المسيح، وهو ما سبَّب له أشد حزن. فكما ذكرنا، لم يكن بوسع بولس أن يمنع شعوره الشخصي بالألم، غير أنه لم يكن يبحث عن تعاطف الآخرين، ولم يكن يسعى إلى الدفاع عن نفسه. فقد كان يَعلم أن آخرين من القادة الأمناء في الكنيسة كانوا يُنتقدون ويقاوَمون، سواء من العالم أو من المؤمنين الآخرين. لذا، أراد أن يكون رد فعله تجاه وضعه الحالي في روما مثالًا لهم حتى يستطيعوا مواجهة بلاياهم بهذا النوع نفسه من راحة البال، والغفران، والثقة في نصرة الحق الإلهي، تلك الأمور التي تجلَّت في حياة بولس.

كان بولس مدركًا تمامًا أن المؤمنين غير الناضجين عُرضة لأمورٍ مثل «خُصُومَاتٌ وَمُحَاسَدَاتٌ وَسَخَطَاتٌ وَتَحَزُّبَاتٌ وَمَذَمَّاتٌ وَنَمِيمَاتٌ وَتَكَبُّرَاتٌ وَتَشْوِيشَاتٌ» (٢كورنثوس ١٢: ٢٠). ونَصح تيموثاوس بتوخِّي الحذر من أيِّ شخص في الكنائس «مُتَعَلِّلٌ بِمُبَاحَثَاتٍ وَمُمَاحَكَاتِ الْكَلاَمِ، الَّتِي مِنْهَا يَحْصُلُ الْحَسَدُ وَالْخِصَامُ وَالافْتِرَاءُ وَالظُّنُونُ الرَّدِيَّةُ» (١تيموثاوس ٦: ٤).

لكن الأهم أن بولس كان يرى الصورة الأشمل. فإذ كان هؤلاء الحاسدون يكرزون بالإنجيل الحقيقي، كان الناس يَخلصون. ومن ثَمَّ، طَرح بولس السؤال البلاغي التالي: «فَمَاذَا؟»، وأجاب عنه قائلًا: «غَيْرَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ سَوَاءٌ كَانَ بِعِلَّةٍ أَمْ بِحَقّ يُنَادَى بِالْمَسِيحِ، وَبِهذَا أَنَا أَفْرَحُ. بَلْ سَأَفْرَحُ أَيْضًا». بتعبير آخر، إذا كان هؤلاء المنتقدون والحاسدون يعزِّزون عمل المسيح، حتى وإن كان بِعِلَّةٍ (أي «بدافع التظاهر»)، فهذا يسعده. فمع أن دافع هؤلاء المنتقِدين لم يكن تمجيد المسيح أو ربح النفوس، وإنما تمجيد أنفسهم على حساب بولس، لم يشعر بولس بأي مرارة. فقد كان يَعلم أنه رغم عدم تقديره للذين كرزوا بالحق بِعِلَّةٍ، فإن الله صاحب السلطان أيَّد رسالتهم عندما نُوْدِيَ بالمسيح. وهذا أسعد بولس كثيرًا.

إن كلمة الله قوية ومؤثرة دائمًا، بغض النظر عن دوافع مَن ينادي بها. كان آخر شيء أراد يونان النبي حدوثه هو أن تتوب نينوى بسبب كرازته، لكن الرسالة التي قدَّمها لهم من الله أثمرت توبةً رغم نواياه السيئة (راجع يونان ٤: ١-٩). فالله يستطيع أن يستخدم حتى الواعظ أو المعلِّم الحسود، والغيور، والأناني عندما تكون رسالته بحسب كلمة الله. فالله يكرم كلمته دائمًا، وهذه الكلمة دائمًا ما تؤتي ثمارها. «هكَذَا تَكُونُ كَلِمَتِي الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ فَمِي. لاَ تَرْجعُ إِلَيَّ فَارِغَةً، بَلْ تَعْمَلُ مَا سُرِرْتُ بِهِ وَتَنْجَحُ فِي مَا أَرْسَلْتُهَا لَهُ» (إشعياء ٥٥: ١١). علَّق جون إيدي (John Eadie)، القس الأسكتلندي من القرن التاسع عشر على هذه الفكرة بحكمة، قائلًا: «يَكمُن التأثير في رسالة الإنجيل، وليس في الكارز بها؛ وفي شرحها، وليس في شارحها»[١]

تشير كلمة «بِحَقٍّ» إلى الذين كانوا يكرزون «عَنْ مَسَرَّةٍ .‏.. [و]عَنْ مَحَبَّةٍ ... [و]عَنْ إِخْلَاصٍ» (فيلبي ١: ١٥-١٧). لا يشير الحقُّ هنا إلى دِقَّة ما قاله هؤلاء، بل بالأحرى إلى صدق قلوبهم واستقامتها. ففي تناقض صريح مع المنتقِدين، لم يكن هؤلاء مُرائين يكرزون بالإنجيل النقي عن دوافع غير نقيّة.

تشير كلمة Katangellō («يُنَادَى») إلى إعلان شيء ما بسلطان. فسواء كان الإنجيل يُنَادَى به من كارزين غيورين يتعمَّدون إيذاء الآخرين أو من أناسٍ يكرزون بالإنجيل بأمانة واتضاع وبدوافع نقيّة، كان الإنجيل يُنَادَى به بدقة، وأتى بثماره، فلم يستطع بولس سوى أن يفرح. أكَّد بولس جديّة كلامه بإضافة عبارة «بَلْ سَأَفْرَحُ أَيْضًا». فلم يكن فرحه، وسروره، ورضاه، وإدراكه للعمل الأشمل للإنجيل مجرد مشاعر عابرة ومؤقتة، بل مشاعر دائمة وثابتة بقوة (راجع مزمور ٤: ٧-٨؛ رومية ١٢: ١٢؛ ٢كورنثوس ٦: ١٠).

فلا شيء على الإطلاق أمكنه أن يسلب بولس فرحه الذي من الله. كان بولس مستعدًّا للتضحية بنفسه، لكن ليس بالإنجيل. فقد كانت خصوصية بولس وحريّته أمرين عديمي الأهمية. وهو لم يكترث مطلقًا بالحصول على التقدير، أو بأن يُنسب الفضل إليه في شيء. كما أن قيود روما وسلاسلها المؤلمة، والانتقادات الأشد إيلامًا التي تعرَّض لها من المؤمنين الآخرين، لم تقدر أن تعيق فرحه، لأنه كان يُنَادَى بِالْمَسِيحِ، وكانت كنيسته تنمو وتتقدَّم. ربما ورد أفضل تعبير عن وجهة نظر هذا الرسول عن حياته وخدمته في الرسالة الثانية إلى كورنثوس:

«فَإِذْ نَحْنُ عَامِلُونَ مَعَهُ نَطْلُبُ أَنْ لاَ تَقْبَلُوا نِعْمَةَ اللهِ بَاطِلاً.‏ لأَنَّهُ يَقُولُ: ʼفِي وَقْتٍ مَقْبُول سَمِعْتُكَ، وَفِي يَوْمِ خَلاَصٍ أَعَنْتُكَ.‘ هُوَذَا الآنَ وَقْتٌ مَقْبُولٌ. هُوَذَا الآنَ يَوْمُ خَلاَصٍ.‏ وَلَسْنَا نَجْعَلُ عَثْرَةً فِي شَيْءٍ لِئَلاَّ تُلاَمَ الْخِدْمَةُ. ‏بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ نُظْهِرُ أَنْفُسَنَا كَخُدَّامِ اللهِ: فِي صَبْرٍ كَثِيرٍ، فِي شَدَائِدَ، فِي ضَرُورَاتٍ، فِي ضِيقَاتٍ،‏ فِي ضَرَبَاتٍ، فِي سُجُونٍ، فِي اضْطِرَابَاتٍ، فِي أَتْعَابٍ، فِي أَسْهَارٍ، فِي أَصْوَامٍ،‏ فِي طَهَارَةٍ، فِي عِلْمٍ، فِي أَنَاةٍ، فِي لُطْفٍ، فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ، فِي مَحَبَّةٍ بِلاَ رِيَاءٍ، ‏فِي كَلاَمِ الْحَقِّ، فِي قُوَّةِ اللهِ بِسِلاَحِ الْبِرِّ لِلْيَمِينِ وَلِلْيَسَارِ. ‏بِمَجْدٍ وَهَوَانٍ، بِصِيتٍ رَدِيءٍ وَصِيتٍ حَسَنٍ. كَمُضِلِّينَ وَنَحْنُ صَادِقُونَ،‏ كَمَجْهُولِينَ وَنَحْنُ مَعْرُوفُونَ، كَمَائِتِينَ وَهَا نَحْنُ نَحْيَا، كَمُؤَدَّبِينَ وَنَحْنُ غَيْرُ مَقْتُولِينَ،‏ كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِمًا فَرِحُونَ، كَفُقَرَاءَ وَنَحْنُ نُغْنِي كَثِيرِينَ، كَأَنْ لاَ شَيْءَ لَنَا وَنَحْنُ نَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ‏» (٢كورنثوس ٦: ١-١٠)

قدَّم بولس مثالًا للاتضاع الخالي من الأنانية. ويُظهر هذا المثال أنه كلما ساءت الظروف، يمكن للفرح أن يزداد. فعندما تبدأ الأمور التي تبدو مضمونة في الحياة تنهار، وعندما يزداد الألم والحزن، يجب أن ينجذب المؤمنون إلى شركة أعمق مع الرب. وحينئذ سيختبرون على أكمل وجه الفرح الثابت والدائم الذي اختبره هذا الرسول بقوة. وهذا الفرح أعظم وأكثر إشباعًا بكثير من أي سعادة عابرة تعتمد على الظروف. إنه فرح نقي أُحادي المصدر، لا يعتمد على الظروف، بل يوجد على الرغم منها، ويصمد خلالها.


 
[١] John Eadie, A Commentary on the Greek Text of the Epistle of Paul to the Philippians (reprint; Grand Rapids: Baker, ١٩٧٩), ٤٠.

 

تفسير الكتاب المقدّس - جون ماك آرثر (جون ماك آرثر)

فيلبي ‎١:‏ ١٦

١: ١٦ تحزُّب. وَصفٌ لأولئك الذين كانوا مُهتمِّين فقط بإعلاء شأن ذواتهم، أو أولئك الذين سَعَوا بلا هَوادة إلى التقدُّم والبُروز مهما كان الثمن. فإنّ مُناهضي بولس اتَّخذوا من احتجازه فرصةً لتعزيز اعتبارهم الشخصيِّ باتِّهامهم إيَّاه بأنه كان خاطئًا جدًّا حتّى أدَّبه الربُّ بالسَّجن.
لا عن إخلاص. رج ح ع ١٠. لم يكن لدى مُنتقِدي بولس المبشِّرين دوافعُ نقيَّة.

صورة الكلام الصّحيح (.م .م)

فيلبي ‎١:‏ ١٦-١٧
«فَهَؤُلَاءِ عَنْ تَحَزُّبٍ يُنَادُونَ بِٱلْمَسِيحِ لَا عَنْ إِخْلَاصٍ، ظَانِّينَ أَنَّهُمْ يُضِيفُونَ إِلَى وُثُقِي ضِيقًا. وَأُولَئِكَ عَنْ مَحَبَّةٍ، عَالِمِينَ أَنِّي مَوْضُوعٌ لِحِمَايَةِ ٱلْإِنْجِيلِ.» القراءة المحتملة: ، ١٧ فهؤلاء عن محبة عالمين أني موضوع لحماية الانجيل وأولئك عن تحزب ينادون بالمسيح لا عن إخلاص ظانّين أنهم يضيفون الى وثقي ضيقًا