شكراً، رسالتكم قد أرسلت
فيلبي ٢٤:١
تفاسير
فيلبّي (جون ماك آرثر)
٥-فرح الخدمة
الجزء الثاني: رغم الموت والجسد
(فيلبي ١: ١٩-٢٦)
«لأَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ هذَا يَؤُولُ لِي إِلَى خَلاَصٍ بِطَلْبَتِكُمْ وَمُؤَازَرَةِ رُوحِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، حَسَبَ انْتِظَارِي وَرَجَائِي أَنِّي لاَ أُخْزَى فِي شَيْءٍ، بَلْ بِكُلِّ مُجَاهَرَةٍ كَمَا فِي كُلِّ حِينٍ، كَذلِكَ الآنَ، يَتَعَظَّمُ الْمَسِيحُ فِي جَسَدِي، سَوَاءٌ كَانَ بِحَيَاةٍ أَمْ بِمَوْتٍ. لأَنَّ لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ. وَلكِنْ إِنْ كَانَتِ الْحَيَاةُ فِي الْجَسَدِ هِيَ لِي ثَمَرُ عَمَلِي، فَمَاذَا أَخْتَارُ؟ لَسْتُ أَدْرِي! فَإِنِّي مَحْصُورٌ مِنْ الاثْنَيْنِ: لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا. وَلكِنْ أَنْ أَبْقَى فِي الْجَسَدِ أَلْزَمُ مِنْ أَجْلِكُمْ. فَإِذْ أَنَا وَاثِقٌ بِهذَا أَعْلَمُ أَنِّي أَمْكُثُ وَأَبْقَى مَعَ جَمِيعِكُمْ لأَجْلِ تَقَدُّمِكُمْ وَفَرَحِكُمْ فِي الإِيمَانِ، لِكَيْ يَزْدَادَ افْتِخَارُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ فِيَّ، بِوَاسِطَةِ حُضُورِي أَيْضًا عِنْدَكُمْ» (فيلبي ١: ١٩-٢٦)
رغم الضيقات، والأحزان، والآلام التي اجتازها بولس (راجع ٢كورنثوس ١١: ٢٣-٣٣)، كانت خدمته مصدر فرحٍ له. وفي هذا القسم من الرسالة إلى فيلبي ناقش بولس أربع مشكلات كان من الممكن أن تسلبه فرحه، وهي: الضيق، والمنتقدون، والموت، والجسد. تناولنا المشكلتين الأولى والثانية (الضيق [وُثُق بولس]، والمنتقدون [أولئك الكارزون الذين سعوا إلى الارتقاء بأنفسهم على حساب بولس]) في الفصل الرابع من هذا الكتاب. ثم هنا، يكشف لنا الرسول أن التهديد بموت وشيك، وأحزان العيش في الجسد لم يقدر كلاهما أيضًا أن يسلباه فرحه.
رغم كونه في الجسد، لأن الكنيسة تستفيد
«وَلكِنْ إِنْ كَانَتِ الْحَيَاةُ فِي الْجَسَدِ هِيَ لِي ثَمَرُ عَمَلِي، فَمَاذَا أَخْتَارُ؟ لَسْتُ أَدْرِي! فَإِنِّي مَحْصُورٌ مِنْ الاثْنَيْنِ: لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا. وَلكِنْ أَنْ أَبْقَى فِي الْجَسَدِ أَلْزَمُ مِنْ أَجْلِكُمْ. فَإِذْ أَنَا وَاثِقٌ بِهذَا أَعْلَمُ أَنِّي أَمْكُثُ وَأَبْقَى مَعَ جَمِيعِكُمْ لأَجْلِ تَقَدُّمِكُمْ وَفَرَحِكُمْ فِي الإِيمَانِ، لِكَيْ يَزْدَادَ افْتِخَارُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ فِيَّ، بِوَاسِطَةِ حُضُورِي أَيْضًا عِنْدَكُمْ» (فيلبي ١: ٢٢-٢٦)
كان أدونيرام جادسون (Adoniram Judson) أول مُرسَل من أمريكا إلى خارج البلاد. ففي أوائل القرن التاسع عشر، ذهب مع زوجته الأولى إلى الهند. ثم بعد فترة وجيزة، ذهب إلى بورما، وهناك خَدَمَ لما يقرب من أربعة عقود. وبعد أربعة عشر عامًا، كان قد ربح عددًا ضئيلًا من المؤمنين، وتمكَّن من كتابة كتاب عن قواعد اللغة البورمية. وخلال تلك الفترة، سُجِن لمدة عام ونصف، وفقد زوجته وأولاده بسبب المرض. ونظير بولس، كان يتوق إلى أن يكون مع الرب. لكنه، نظير بولس أيضًا، حسب خدمته للمسيح أهم كثيرًا من أشواقه الشخصية. ولذلك، صلَّى إلى الله كي يطيل عمره بما يكفي ليترجم الكتاب المقدس بكامله إلى اللغة البورمية، ويؤسِّس كنيسةً هناك تضم ما لا يقل عن مئة مؤمن. واستجاب الرب لصلاته، وسمح له أيضًا بإعداد قاموس من اللغة البورمية إلى اللغة الإنجليزية، ومن اللغة الإنجليزية إلى اللغة البورمية، أصبحا لا يقدَّران بثمن للخدام المسيحيين الذين أتوا بعده، سواء من الأجانب أو من المواطنين البورميين. وكَتَبَ: «لو لم أكن متيقِّنًا أن كل تجربة وضيقة قد عيَّنَتها محبةٌ ورحمةٌ غير محدودتين، لما صمدتُ أمام آلامي الكثيرة».
إن جزءًا من العظمة الروحية هو أن تعرف المسيح معرفة حميمية، وتتوق إلى أن تكون معه. لكن العظمة الروحية تنطوي أيضًا على التكريس التام لتقدُّم الملكوت وخدمة المسيح على الأرض. وكلُّ مؤمن يعيش هذا الصراع. ومن الواضح أن بولس أيضًا لم يفلت من تلك المعضلة التي عبَّر عنها بأسلوب جميل ومؤثر في الآيات ٢٢-٢٦. فقد كان يتوق إلى أن يكون مع الرب، لكن إذا كانت مشيئة الله تقتضي أن يحيا في الجسد، سيفرح أيضًا. فقد علم أن ذلك يعني عملًا مثمرًا («ثَمَرُ عَمَلِي») لمجد الله. لا تشير كلمة «الْجَسَدِ» هنا إلى مقر الفساد والشر، كما كانت تعني في مقاطع أخرى (راجع رومية ٦: ١٩؛ ٧: ٥، ١٨؛ ٨: ٥؛ ٢كورنثوس ٧: ١؛ ١٠: ٢؛ غلاطية ٣: ٣)، لكنها تشير إلى الحياة المادية في الجسد (راجع رومية ١: ٣؛ ٩: ٣؛ ١كورنثوس ٦: ١٦؛ ٢كورنثوس ١٠: ٣؛ غلاطية ٢: ٢٠؛ ١بطرس ٤: ١-٢).
تشير عبارة «ثَمَرُ عَمَلِي» إلى عمل الرب، الذي دائمًا ما يباركه الروح القدس. فعندما تُعلَن «كَلِمَةِ حَقِّ الْإِنْجِيلِ» بأمانة، «تثمر باستمرار، وتعطي ثمرًا متزايدًا» (كولوسي ١: ٥-٦؛ راجع فيلبي ١: ١٥-١٨). لم يكن بولس يشير هنا بالتأكيد إلى الأعمال الصالحة التي يأمل الناس عبثًا أن يُخَلِّصوا بها أنفسهم. فكلُّ أعمال البشر عاجزة عن أن تُخلِّص، بل هي فعليًّا تُبطل خلاص المسيح الذي بالنعمة (رومية ٣: ٢٠-٢٢، ٢٨؛ ٤: ١-٥؛ غلاطية ٢: ١٦-٢١؛ أفسس ٢: ٧-٩). لكن، يشير بولس بالأحرى إلى العمل المثمِر الذي بقوة الروح القدس، وهو الذي لأجله نحن مخلوقون «فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا» (أفسس ٢: ١٠). فهو ثمر الله «الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ» (فيلبي ٢: ١٣). ويشمل الثمر الروحي الدوافع والسلوكيات التي يوجِّهها الروح، ويؤيِّدها بالقوة، وهي الدوافع والسلوكيات المَبنيَّة على أساس يسوع المسيح (١كورنثوس ٣: ١١). ويمكن تقسيم هذا الثمر إلى عدة فئات. يشمل الثمر المتعلِّق بالمواقف والتوجُّهات «ثمر الروح» (غلاطية ٥: ٢٢-٢٣)، بينما الثمر المتعلِّق بالسلوك يشمل أعمالَ البر (راجع فيلبي ١: ١١). كذلك، يشمل الثمر الذين يؤمنون (راجع رومية ١: ١٣).
كان بولس في مأزقٍ، إذ كان عليه الاختيار ما بين حياته وموته، فاعترف قائلًا: «مَاذَا أَخْتَارُ؟ لَسْتُ أَدْرِي». استُخدمَ الفعل Gnorizo («أَدْرِي»، أو «أعلم») سبعًا وعشرين مرة في العهد الجديد، وأكثر من نصف تلك المرات كانت في كتابات بولس. ويُستخدَم الفعل بمعنى الكشف عن شيءٍ لم يكن معروفًا من قبل، سواء كشف الرب هذا الشيء للبشر (كما في لوقا ٢: ١٥؛ يوحنا ١٥: ١٥؛ رومية ٩: ٢٢-٢٣)، أو كشفه البشر لغيرهم من البشر (كما في أعمال الرسل ٧: ١٣؛ ٢كورنثوس ٨: ١؛ أفسس ٦: ١٩، ٢١). ويبدو أن بولس يقصد بهذا أنه لم يقرِّر بعد ماذا يختار، لأن الرب لم يعرِّفه بعد ماذا يختار. وإذ لم يكن متيقنًا من مشيئة الرب في هذا الأمر، لم يكن متيقنًا من مشيئته هو نفسه.
لا يعني ذلك أنَّ بولس كان يعارض مشيئة الرب، أو أنه كان يريد أن يكون في السماء حتى وإن أراد الله أن يواصل خدمته على الأرض؛ لكنه كان يريد كلا الأمرَين، وكانت هاتان الرغبتان قويتين وصحيحتين بالقدر نفسه. فالأمر شبيه بالمعضلة التي تقع فيها زوجة يعمل زوجها في مكان بعيد عن المنزل لأشهر عديدة، ويطلب منها زيارته لبعض الوقت. فمع أنها تحبه بشدة، وتتوق إلى أن تكون معه، لكنها تحب أولادها أيضًا، وتريد البقاء بقربهم.
وهكذا، قال بولس: «إِنِّي مَحْصُورٌ مِنْ الاثْنَيْنِ». المعنى الحرفي لكلمة Sunecho («مَحْصُورٌ») هو: «جعل الشيء متماسكًا». وكانت الكلمة تُستخدم عادة للتعبير عن كون أحدهم مطوَّقًا من كلا الجانبين، كما عند عبوره ممرًّا ضيقًا. استخدم لوقا هذه الكلمة نفسها لوصف الجموع الذين كانوا «يُضيِّقون على» يسوع في الجليل (لوقا ٨: ٤٥). واستخدمها أيضًا في التحذير الذي جاء على لسان الرب: «فإِنَّهُ سَتَأْتِي أَيَّامٌ وَيُحِيطُ بِكِ أَعْدَاؤُكِ بِمِتْرَسَةٍ، وَيُحْدِقُونَ بِكِ وَيُحَاصِرُونَكِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ» (لوقا ١٩: ٤٣).
من ناحية، أوضح بولس أن له اشتهاءً أن ينطلق ويكون مع المسيح. يأتي الفعل «أَنْطَلِقَ» من الفعل اليوناني analuo، الذي معناه «يحلُّ» أو «يفك»، كما حين يُحَلُّ القارب من مراسيه عندما يكون مستعدًّا للإبحار. استُخدِمت هذه الكلمة في بعض الأحيان للإشارة إلى تحرير سجين من قيوده، أو تحرير حيوان من الحمل الثقيل الذي يحمله، أو حلِّ كتيبة من الجنود خيامهم، وجمع معداتهم استعدادًا لمغادرة المعسكر. استخدم بولس الصورة الأخيرة في ٢كورنثوس ٥: ١، حين قال: «لأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ نُقِضَ بَيْتُ خَيْمَتِنَا الأَرْضِيُّ، فَلَنَا فِي السَّمَاوَاتِ بِنَاءٌ مِنَ اللهِ، بَيْتٌ غَيْرُ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ، أَبَدِيٌّ». فالموت للمؤمنين هو ببساطة حلٌّ لمعسكرهم الأرضي المؤقت، وانتقالٌ إلى موطنهم السماوي الأبدي. وكان الاسم analusis، المتصل بهذا الفعل، يُستخدَم عادة كتعبير مخفَّف عن الموت، وهو المعنى الذي قصده بولس في النص الحالي. وفي رسالة بولس الثانية إلى تيموثاوس، بعد ذلك ببضع سنوات، قال لابنه الحبيب في الإيمان: «فَإِنِّي أَنَا الآنَ أُسْكَبُ سَكِيبًا، وَوَقْتُ انْحِلاَلِي [analusis] قَدْ حَضَرَ» (٢تيموثاوس ٤: ٦).
يدحض فيلبي ١: ٢٣ عقيدة سبات الروح، وهي عقيدة خاطئة تعلِّم بأن الموتى يصيرون في حالة من اللاوعي إلى حين قيامتهم. لكن، عندما يموت المؤمنون، ينطلقون في الحال ليكونوا مع المسيح، مثل اللص التائب على الصليب، الذي قال له يسوع: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ» (لوقا ٢٣: ٤٣؛ راجع ٢كورنثوس ٥: ٨). كذلك، فإن ظهور موسى وإيليا في حدث التجلِّي (متى ١٧: ٣)، ووجود المؤمنين من شهداء الضيقة في السماء بكامل وعيهم (رؤيا ٦: ٩-١١)، دليلان دامغان يدحضان عقيدة سبات الروح. يَستخدم العهد الجديد النوم أو الرقاد صورةً للموت. دعا استفانوس الرب قائلًا: «أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ اقْبَلْ رُوحِي. ثُمَّ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ:«يَارَبُّ، لاَ تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ الْخَطِيَّةَ». وَإِذْ قَالَ هذَا رَقَدَ» (أعمال الرسل ٧: ٥٩-٦٠؛ راجع يوحنا ١١: ١١-١٤؛ ١كورنثوس ١١: ٣٠؛ ١٥: ٢٠، ٥١؛ ١تسالونيكي ٤: ١٣-١٥؛ ٥: ١٠).
إن الرجاء الأعظم للمؤمن هو أن يكون مع المسيح طوال الأبدية. وتلك الخِبرة السعيدة تبدأ بانطلاقه ليكون معه. تُرجِمت عبارة «أَفْضَلُ جِدًّا» عن مقارنة مزدوجة في اللغة اليونانية، مما يشير إلى أعلى صيغة تفضيل. لذلك، فمن حيث شبع المؤمنين وفرحهم الشخصي، من الواضح أن الذهاب إلى السماء أَفْضَلُ جِدًّا من بقائهم على الأرض.
ومثل بولس، على جميع المؤمنين أن «[يُسَرُّوا] بِالأَوْلَى أَنْ [يتَغَرَّبَوا] عَنِ الْجَسَدِ وَ[يسْتَوْطِنَوا] عِنْدَ الرَّبِّ» (٢كورنثوس ٥: ٨). فإنهم سيتحرَّرون عندئذ من ألم الحياة الحاضرة، وحزنها، وشقائها، ويدخلون إلى محضر الرب المجيد. وهناك سيختبرون حريّة البرّ والمجد الأبدي المذهلين، وسوف
«يَخْدِمُونَهُ نَهَارًا وَلَيْلاً فِي هَيْكَلِهِ، وَالْجَالِسُ عَلَى الْعَرْشِ يَحِلُّ فَوْقَهُمْ. لَنْ يَجُوعُوا بَعْدُ، وَلَنْ يَعْطَشُوا بَعْدُ، وَلاَ تَقَعُ عَلَيْهِمِ الشَّمْسُ وَلاَ شَيْءٌ مِنَ الْحَرِّ، لأَنَّ الْخَرُوفَ الَّذِي فِي وَسَطِ الْعَرْشِ يَرْعَاهُمْ، وَيَقْتَادُهُمْ إِلَى يَنَابِيعِ مَاءٍ حَيَّةٍ، وَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ» (رؤيا ٧: ١٥-١٧)
وعندئذ، لن يحتاج المؤمنون بعد إلى السلوك بالإيمان، لكنهم سيسلكون بالعيان (راجع ٢كورنثوس ٥: ٧). ولن يروا الله بعد «فِي مِرْآةٍ... لكِنْ... وَجْهًا لِوَجْهٍ». ولن يعرفوا بعد «بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ، لكِنْ حِينَئِذٍ [سيعرفون] كَمَا [عُرِفوا]» (١كورنثوس ١٣: ١٢؛ راجع ١كورنثوس ٨: ٣). ولأنهم «أَوْلاَدُ اللهِ،... [سيكُونُون مِثْلَهُ]، [لأَنَّهم سيرونه] كَمَا هُوَ» (١يوحنا ٣: ٢). وسوف يمتلكون ثقة أيوب التي تجلَّت في قوله: «بَعْدَ أَنْ يُفْنَى جِلْدِي هذَا، وَبِدُونِ جَسَدِي [«وبجسدي هذا»] أَرَى اللهَ؛ الَّذِي أَرَاهُ أَنَا لِنَفْسِي، وَعَيْنَايَ تَنْظُرَانِ وَلَيْسَ آخَرُ» (أيوب ١٩: ٢٦-٢٧؛ راجع مزمور ١٦: ١٠-١١؛ ١٧: ١٥؛ ٤٩: ١٥).
إلا أنَّ اشتياق بولس إلى السماء لم يكن هو همُّه الوحيد. فقد كتب إلى مؤمني كورنثوس: «لِذلِكَ نَحْتَرِصُ أَيْضًا - مُسْتَوْطِنِينَ كُنَّا [أي في السماء مع المسيح] أَوْ مُتَغَرِّبِينَ [أي مستمرين في خدمتنا له على الأرض] - أَنْ نَكُونَ مَرْضِيِّينَ عِنْدَهُ» (٢كورنثوس ٥: ٩). ولذا، أمكنه أن يقول لمؤمني فيلبي: «أَنْ أَبْقَى فِي الْجَسَدِ أَلْزَمُ مِنْ أَجْلِكُمْ». فما دام لا يزال لدى الربِّ عملٌ ليعمله بولس على الأرض، أراد بولس أن يبقى هناك. طبَّق الرسول على حياته النصيحةَ التي قدَّمها لمؤمني كورنثوس: «إِذًا يَا إِخْوَتِي الأَحِبَّاءَ، كُونُوا رَاسِخِينَ، غَيْرَ مُتَزَعْزِعِينَ، مُكْثِرِينَ فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، عَالِمِينَ أَنَّ تَعَبَكُمْ لَيْسَ بَاطِلاً فِي الرَّبِّ» (١كورنثوس ١٥: ٥٨). فرغم «التَّرَاكُمُ [على بولس] كُلَّ يَوْمٍ، [بسبب] الاهْتِمَامُ بِجَمِيعِ الْكَنَائِسِ» (٢كورنثوس ١١: ٢٨)، لم يحسب هذه المسئولية عبئًا يجب أن يُرفَع عن كاهله، بل حسبها فرصةً جيدة ليخدم الرب من خلال خدمته للآخرين.
في جزء لاحق من هذه الرسالة، نصح بولس أهل فيلبي قائلًا: «لاَ [تفعلوا] شَيْئًا بِتَحَزُّبٍ أَوْ بِعُجْبٍ، بَلْ بِتَوَاضُعٍ، حَاسِبِينَ بَعْضُكُمُ الْبَعْضَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. لاَ تَنْظُرُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لآخَرِينَ أَيْضًا» (فيلبي ٢: ٣-٤). وكان ينبغي أن
«[يكون فيهم] هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا: الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً ِللهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ» (الآيات ٥-٨)
وكان تمثُّلهم بالمسيح، حين «[يفْتَكِرُون] فِكْرًا وَاحِدًا وَ[لَهمْ] مَحَبَّةٌ وَاحِدَةٌ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، مُفْتَكِرِينَ شَيْئًا وَاحِدًا» (الآية ٢)، سيتمِّم أيضًا فرح بولس. ولأن بولس حَسِبَ مؤمني فيلبي أفضل من نفسه، أمكنه أن يقول لهم: «أَنْ أَبْقَى فِي الْجَسَدِ أَلْزَمُ مِنْ أَجْلِكُمْ». فقد أجَّل بولس بكل سرور بركاته السماوية لكي يواصل خدمته للقديسين على الأرض.
فإذ أنه واثق بحاجته إلى إنهاء عمله على الأرض، قال لقراء رسالته: «أَعْلَمُ أَنِّي أَمْكُثُ وَأَبْقَى مَعَ جَمِيعِكُمْ لأَجْلِ تَقَدُّمِكُمْ وَفَرَحِكُمْ فِي الإِيمَانِ، لِكَيْ يَزْدَادَ افْتِخَارُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ فِيَّ، بِوَاسِطَةِ حُضُورِي أَيْضًا عِنْدَكُمْ». كان الرسول يعلَم أن مؤمني فيلبي لا يزالون بحاجة إليه. لا يعني ذلك أنه كان يعتبر نفسه شخصًا لا غنى عنه أو لا بديل له، بل يعني أنه كان واثقًا بأن خدمته لهم لم تكتمل بعد. وإذ كان قد أعرب لتوِّه عن عدم تيقُّنه ممَّا إذا كان سيعيش أو يموت (١: ٢٢-٢٤)، يبدو إذن أن ثقته هذه تعكس قناعته الشخصية وليس إعلانًا من الله. فلو كان الله قد أخبره بأنه لن يموت حتى يكمل عمله في كنيسة فيلبي، لَمَا كانت حياته أو موته أمرًا مطروحًا للنقاش من الأساس.
كان بولس واثقًا بأن الكنيسة لا تزال بحاجة إلى توجيهاته وقيادته. فعلى الرغم من نضج مؤمني فيلبي، ومحبتهم، ووداعة روحهم، كان عليهم أن يجسِّدوا مزيدًا من اتضاع ربِّهم (٢: ١-٨)، وأن يحترسوا من المعلِّمين الكذبة (٣: ٢)، وأن يلاحظوا مثال بولس، وأن يقاوموا «أَعْدَاءُ صَلِيبِ الْمَسِيحِ» (٣: ١٧-١٨). وكانت على الأقل عضوتان في الكنيسة بحاجة إلى تعلُّم أن «يَفْتَكِرَا فِكْرًا وَاحِدًا فِي الرَّبِّ» (٤: ٢-٣). والبعض في الكنيسة، وربما الكثيرون، كانوا مجرَّبين بالقلق والهمِّ، وكانوا بحاجة إلى أن «لاَ [يهْتَمُّوا] بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ [طلباتهم] لَدَى اللهِ» (٤: ٦). وبالإضافة إلى ذلك، كانوا بحاجة إلى التركيز باستمرار على «كُلُّ مَا هُوَ حَق، كُلُّ مَا هُوَ جَلِيلٌ، كُلُّ مَا هُوَ عَادِلٌ، كُلُّ مَا هُوَ طَاهِرٌ، كُلُّ مَا هُوَ مُسِرٌّ، كُلُّ مَا صِيتُهُ حَسَنٌ» (٤: ٨).
أراد بولس أن يمكث ويبقى مع مؤمني فيلبي من أجل تعزيز تقدُّمهم وفرحهم في الإيمان على حدٍّ سواء. وفي حين تحدَّث بولس في جزء سابق عن «تَقَدُّمِ الإِنْجِيلِ» بوجه عام (١: ١٢)، تحدَّث هنا، باستخدام هذه الكلمة نفسها (prokope)، عن التقدُّم الخاص لمؤمني فيلبي، أولاً في فرحهم، ثم فِي الْإِيمَانِ. كما ذكرنا قبلًا في شرح فيلبي ١: ١٢، تَحْمِل كلمة prokope فكرة التقدُّم إلى الأمام رغم العقبات، ورغم المقاومة المستمرة. عندما رجع بولس وبرنابا «إِلَى لِسْتِرَةَ وَإِيقُونِيَةَ وَأَنْطَاكِيَة؛ يُشَدِّدَانِ أَنْفُسَ التَّلاَمِيذِ وَيَعِظَانِهِمْ أَنْ يَثْبُتُوا فِي الإِيمَانِ»، حذَّراهم من «أَنَّهُ بِضِيقَاتٍ كَثِيرَةٍ يَنْبَغِي أَنْ نَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللهِ» (أعمال الرسل ١٤: ٢١-٢٢). ومع أن التقدُّم ... فِي الْإِيمَانِ لا يأتي بلا ثمن، فإنه يكون مصحوبًا دائمًا بالتقدُّم في الفرح.
تُرجمت كلمة «لِكَيْ» عن الكلمة اليونانية hina، التي حين تُستخدم مع فعلٍ في صيغة شرطية، تمهِّد لجملة تفيد الغرض. فالغرض من مواصلة بولس خدمته لكنيسة فيلبي هو أن يزداد افتخارهم في المسيح يسوع فيه بواسطة حضوره عندهم. تأتي عبارة «فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ» في النص اليوناني (والترجمة العربية البستاني-فاندايك) قبل كلمة «فيَّ»؛ ولا بد أن هذا هو الترتيب الذي كان في ذهن بولس، بحيث يكون المعنى هو: «لكي يزداد افتخاركم في المسيح يسوع، كما ترونه [أي المسيح] فيَّ». وفي الأصحاح الثالث من الرسالة إلى فيلبي، أوضح بولس أنه رغم مؤهِّلاته الدينية التي لا تشوبها شائبة (الآيات ٤-٦)،
«مَا كَانَ لِي رِبْحًا، فَهذَا قَدْ حَسِبْتُهُ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ خَسَارَةً. بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي، الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ، وَأُوجَدَ فِيهِ، وَلَيْسَ لِي بِرِّي الَّذِي مِنَ النَّامُوسِ، بَلِ الَّذِي بِإِيمَانِ الْمَسِيحِ، الْبِرُّ الَّذِي مِنَ اللهِ بِالإِيمَانِ» (الآيات ٧-٩)
ثم أردف معترفًا بما يلي: «لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلاً، وَلكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ الَّذِي لأَجْلِهِ أَدْرَكَنِي أَيْضًا الْمَسِيحُ يَسُوعُ. أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ» (الآيتان ١٢-١٣)
وحذَّر بولس مؤمني كورنثوس قائلًا: «إِذًا لاَ يَفْتَخِرَنَّ أَحَدٌ بِالنَّاسِ! فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ لَكُمْ: أَبُولُسُ، أَمْ أَبُلُّوسُ، أَمْ صَفَا، أَمِ الْعَالَمُ، أَمِ الْحَيَاةُ، أَمِ الْمَوْتُ، أَمِ الأَشْيَاءُ الْحَاضِرَةُ، أَمِ الْمُسْتَقْبِلَةُ. كُلُّ شَيْءٍ لَكُمْ. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلِلْمَسِيحِ، وَالْمَسِيحُ ِللهِ» (١كورنثوس ٣: ٢١-٢٣). ومن ثمَّ، فإن الْمَسِيحِ يَسُوعَ، العامل في بولس، هو مَن سيسبِّب ازدياد افتخار مؤمني فيلبي.
فما من ظروف، مهما كانت قاسية، أمكنها أن تسلب بولس فرحه. ولم يستطع شيءٌ أن يُنقِصَ حماسه للخدمة، أو يمنعه من أن يكون «[مُكْثِرًا] فِي عَمَلِ الرَّبِّ كُلَّ حِينٍ، [عَالِمًا] أَنَّ [تَعَبَهُ] لَيْسَ بَاطِلاً فِي الرَّبِّ» (١كورنثوس ١٥: ٥٨).
تفسير الكتاب المقدّس - جون ماك آرثر (جون ماك آرثر)
١: ٢٤ ألزم من أجلكم. تنازلَ بولسُ عن شوقه الشخصيِّ لأنْ يكونَ مع الربِّ في سبيل ضرورةِ بُنيان الكنيسة (رج ٢: ٣ و٤).
الرجاء إدخال تعليقك أو فسّر عن المشكلة التي واجهتها في الأسفل.