شكراً، رسالتكم قد أرسلت
فيلبي ٢٩:١
تفاسير
فيلبّي (جون ماك آرثر)
٦- سلوك الكنيسة
كما يحق
فيلبي ١: ٢٧-٣٠
«فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، حَتَّى إِذَا جِئْتُ وَرَأَيْتُكُمْ، أَوْ كُنْتُ غَائِبًا أَسْمَعُ أُمُورَكُمْ أَنَّكُمْ تَثْبُتُونَ فِي رُوحٍ وَاحِدٍ، مُجَاهِدِينَ مَعًا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ لإِيمَانِ الإِنْجِيلِ، غَيْرَ مُخَوَّفِينَ بِشَيْءٍ مِنَ الْمُقَاوِمِينَ، الأَمْرُ الَّذِي هُوَ لَهُمْ بَيِّنَةٌ لِلْهَلاَكِ، وَأَمَّا لَكُمْ فَلِلْخَلاَصِ، وَذلِكَ مِنَ اللهِ. لأَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ. إِذْ لَكُمُ الْجِهَادُ عَيْنُهُ الَّذِي رَأَيْتُمُوهُ فِيَّ، وَالآنَ تَسْمَعُونَ فِيَّ» (فيلبي ١: ٢٧-٣٠)
كان بولس يحب كنيسة فيلبي، ويحترمها، ويقدِّرها على نحو خاص. فقد كانت من أنضج الكنائس في العهد الجديد. ومع ذلك، كان أعضاؤها يعانون بعض المشاكل، التي يُحتمل أن بعضها كان خطيرًا. فمثل أي كنيسة في أيِّ عصر، كان هؤلاء بحاجة إلى الاحتراس من المعلِّمين الكذبة (٣: ٢)، ورَفْضِ «أَعْدَاءُ صَلِيبِ الْمَسِيحِ» الموجودين في وسط الكنيسة (٣: ١٧-١٨). كان الرسول يَعلَم أن حتى الكنيسة الأمينة لا تستغرق طويلًا حتى تنزلق إلى اللامبالاة، وفي النهاية إلى الخطأ الأخلاقي والضلال العقيدي.
في فيلبي ١: ٢٧-٣٠، انتقل بولس من التركيز على سيرته الذاتية في الجزء الأول من الرسالة، إلى التركيز على كنيسة فيلبي، فدعا مؤمني فيلبي إلى الحفاظ على تكريسهم الروحي، ومواصلة السلوك كما يليق بقوة الإنجيل. كما دعاهم إلى فحص قلوبهم بدقة ليروا إذا كانوا يتمتَّعون باستقامة روحية. تنطبق هذه المناشدة، قطعًا، على كلِّ أتباع يسوع المسيح في كل مكان وزمان.
رأى بولس أن بقاءه في الجسد ألزم لخيرهم الروحي، ولذا كان واثقًا بأن الرب سيسمح له أن «[يَبْقَى] مَعَ [جَمِيعِهُم] لأَجْلِ [تَقَدُّمِهمْ وَفَرَحِهم] فِي الإِيمَانِ، لِكَيْ يَزْدَادَ [افْتِخَارُهُمْ] فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ [فِيه]، بِوَاسِطَةِ [حُضُورِه] أَيْضًا [عِنْدَهُم]» (١: ٢٥-٢٦). لكن بغض النظر عما سيحدث له، ناشدهم قائلًا: «فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ... [سواء] جِئْتُ وَرَأَيْتُكُمْ، أَوْ كُنْتُ غَائِبًا». فما كان يهمُّ حقًا هو سلوكهم المقدَّس الثابت. ، جاءت كلمة Monon («فَقَطْ») في النص اليوناني في بداية الجملة للتوكيد. فقبل أيِّ شيء آخر، أراد بولس أن تعكس حياتُهم إِنْجِيلِ الْمَسِيحِ بجدارةٍ. كرَّر بولس هذا الحق ضمنًا طوال الرسالة، وصراحةً في الأصحاح التالي، فحثَّهم قائلًا: «لِكَيْ تَكُونُوا بِلاَ لَوْمٍ، وَبُسَطَاءَ، أَوْلاَدًا ِللهِ بِلاَ عَيْبٍ فِي وَسَطِ جِيل مُعَوَّجٍ وَمُلْتَوٍ، تُضِيئُونَ بَيْنَهُمْ كَأَنْوَارٍ فِي الْعَالَمِ. مُتَمَسِّكِينَ بِكَلِمَةِ الْحَيَاةِ لافْتِخَارِي فِي يَوْمِ الْمَسِيحِ، بِأَنِّي لَمْ أَسْعَ بَاطِلاً وَلاَ تَعِبْتُ بَاطِلاً» (فيلبي ٢: ١٥-١٦).
الفعل Politeuomai («عِيشُوا») هو الفعل الرئيسي في الآيات ٢٧-٣٠، وهي جملة واحدة في اللغة اليونانية. وجذر الفعل هو polis (ومعناه «مدينة»)، وكانت الكلمة تشير في العصور القديمة عادةً إلى الدول-المدن (أي المدن المستقلة التي تحكم نفسها)، التي يعطيها مواطنوها ولاءهم الأكبر. ومن ثَمَّ، فإن المعنى الأساسي للفعل هو كون المرء مواطنًا، لكنه يعني ضمنًا أن يكون المرء مواطنًا صالحًا، أي أن يشرِّف سلوكُه الكيانَ السياسي الذي ينتمي إليه.
تميَّزت مدينة فيلبي بكونها مستوطنة رومانية (أعمال الرسل ١٦: ١٢)، وهي مكانة مميَّزة للغاية أعطت سكانها الكثير من الحقوق التي يتمتع بها مواطنو روما نفسها. كانت تلك المستوطنات تعتبر نفسها «روما مصغَّرة»، وتفتخر كثيرًا بهذا الانتماء. كما كانت تقدِّم ولاءً تامًّا لروما وللإمبراطور، وتعتمد الزي الروماني، وتستخدم الأسماء الرومانية، وتتحدث اللغة اللاتينية، التي كانت اللغة الرسمية لروما.
كان المجتمع الروماني، مثل المجتمع اليوناني السابق له، على درجة عالية من الوعي المجتمعي. فقد كان الفرد يخضع للدولة. وكانت مهارات المواطن، ومواهبه، وطاقته، ومساعيه مكرَّسة في المقام الأول لتحقيق مصالح المجتمع ككلٍّ. لم يكن ذلك خضوعًا قسريًا، كما هو الحال في الدول الاستبدادية الحديثة، لكنه كان خضوعًا قائمًا على شعورٍ إرادي بالتكافُل والاعتمادية المتبادلة يفخر به المواطنون. وكان المواطن المسئول يحرص على عدم فعل أيِّ شيء قد يسيء إلى سمعة مدينته (polis)؛ وكان يسعى دائمًا إلى أن يَظهَر للآخرين مواطنًا مشرِّفًا، حتى لا يُمحَى اسمه البتة من قائمة المواطنين.
ربما كان في فكر بولس، عند استخدامه الفعل politeuomai («عِيشُوا»)، هذا النوع من الإخلاص والتفاني. فإذا كان مواطنو مدينة فيلبي مخلِصين إلى هذا الحدِّ لشرف مملكتهم البشرية، فكم بالحري يجب على المؤمنين أن يُخلِصوا لملكوت الْمَسِيحِ (راجع كولوسي ١: ١٢-١٣)؟ لذلك أوصاهم بولس بأن يعيشوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، وبأن يسلكوا كمواطنين سماويين أمناء (راجع ٣: ٢٠). والكنيسة -وإن كانت غير كاملة ووقتية- هي المَظهَر الأرضي لملكوت السماوات الكامل والأبدي في هذا العصر (راجع كولوسي ١: ١٣). ويتسم السلوك السماوي بأن يكون المؤمنون «بِلاَ لَوْمٍ، وَبُسَطَاءَ، أَوْلاَدًا ِللهِ بِلاَ عَيْبٍ فِي وَسَطِ جِيل مُعَوَّجٍ وَمُلْتَوٍ، تُضِيئُونَ بَيْنَهُمْ كَأَنْوَارٍ فِي الْعَالَمِ « (٢: ١٥).
فأن نعيش كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ معناه أن نعيش حياة متوافقة مع كلمة الله المعلَنة. ينطوي ذلك على عيش حياة متوافقة مع الحق الإلهي الذي يعترف المؤمنون بأنهم يؤمنون به، ويكرزون به، ويعلِّمونه، ويدافعون عنه. بتعبير آخر، ذلك يعني السلوك باستقامة في كلِّ أوجه الحياة وجوانبها. وتصف مواضع أخرى في العهد الجديد هذا التكليف بأنه السلوك «كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا» (أفسس ٤: ١)، و«كَمَا يَحِقُّ لِلرَّبِّ، فِي كُلِّ رِضىً، مُثْمِرِينَ فِي كُلِّ عَمَل صَالِحٍ، وَنَامِينَ فِي مَعْرِفَةِ اللهِ» (كولوسي ١: ١٠)، و«كَمَا يَحِقُّ للهِ الَّذِي دَعَاكُمْ إِلَى مَلَكُوتِهِ وَمَجْدِهِ» (١تسالونيكي ٢: ١٢؛ راجع ٤: ١). كما إنه يعني تقديم «كُلَّ أَمَانَةٍ صَالِحَةٍ، لِكَيْ [يزيِّن المؤمنون] تَعْلِيمَ [مخلِّصهم] اللهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ» (تيطس ٢: ١٠)، مظهِرين «سِيرَةٍ مُقَدَّسَةٍ وَتَقْوَى»، ومجتهدين «[لِيوجَدُوا] عِنْدَهُ بِلاَ دَنَسٍ وَلاَ عَيْبٍ، فِي سَلاَمٍ» (٢بطرس ٣: ١١، ١٤).
إن أعظم شهادة تقدِّمها الكنيسة أمام العالم هي استقامتها الروحية. فعندما يعيش المؤمنون دون مستوى مقاييس الأخلاق الكتابية والتوقير لربِّهم، يُعرِّضون للشبهة الحقَّ الكتابي الكامل المتعلِّق بطبيعة الله، وخطته، ومشيئته؛ وبذلك يُضعفون على نحو خطير مصداقيةَ الإنجيل، ويحدُّون تأثيرهم على العالم. لطالما كان شعب الله في عداوة مع العالم، لأن العالم في عداوة مع الله (رومية ١: ٢٨؛ ٥: ١٠؛ أفسس ٢: ٣؛ كولوسي ١: ٢١). لكن لا يمكن أن نتوقَّع من العالم أن يعتنق إيمانًا لا يستوفي أتباعه مقاييسه للقداسة، ولا يُظهِرون في حياتهم قوة المسيح المغيِّرة.
عندما ينظر غير المؤمنين إلى الكنيسة ولا يرون قداسة، أو طهارة، أو فضيلة، لا يجدون ما يدعوهم إلى الإيمان بالإنجيل الذي تنادي به هذه الكنيسة. فعندما يرتكب رعاة الكنائس خطايا جسيمة، ثم يبقون في مناصبهم القيادية في الكنيسة؛ أو عندما يَكذب أعضاء الكنيسة، ويسرقون، ويغشون، ويَغتابون، ويتشاجرون؛ أو عندما تبدو الكنائس غير مبالية بالخطية والرياء فيها، يثير ذلك نفور العالَم من ادِّعاء جماعة المؤمنين أنهم يحبون الله ويخدمونه. وبذلك يهان اسم المسيح ويُجدَّف عليه.
الإنجيل هو بشارة الخلاص بيسوع المسيح. فهو الحق الذي يقول إن «الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ، وَأَنَّهُ دُفِنَ، وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ» (١كورنثوس ١٥: ٣-٤)؛ وهو الرسالة التي يصفها بولس بأنها «قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ: لِلْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ لِلْيُونَانِيِّ» (رومية ١: ١٦). والمقصود هنا هو أن الذين للمسيح بالإيمان بإنجيله للخلاص ينبغي أن يُظهروا تلك القوة من خلال حياتهم التي تغيَّرت (راجع ٢كورنثوس ٥: ١٧).
كان بولس قد أعرب لتوِّه عن توقُّعه بفرحٍ أن تتسنَّى له زيارة فيلبي مرة أخرى (١: ٢٥-٢٦)؛ لكن لَم يكن هذا شغله الشاغل. فقد كان يدرك أن مؤمني فيلبي، مثلهم مثل الكنيسة في أفسس، سيتعرَّضون لا محالة لتهديدٍ من «ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ»، وسيقوم معلِّمون كذبة حتى من داخل الكنيسة، و«يَتَكَلَّمُونَ بِأُمُورٍ مُلْتَوِيَةٍ لِيَجْتَذِبُوا التَّلاَمِيذَ وَرَاءَهُمْ» (أعمال الرسل ٢٠: ٢٩-٣٠). وكان يدرك أنه رغم النضج الروحي العام لهذه الكنيسة، سيُظهِر بعض أعضائها افتقارهم إلى إيمان الخلاص بتخلِّيهم عن المسيح لصالح إنجيل آخر. وآخرون ممَّن خلصوا بقوة الروح القدس سيقعون في فخ الناموسية باتكالهم على إنجازاتهم الجسدية لتقديسهم (غلاطية ١: ٦ ؛ ٣: ٣). وسواء زار بولس كنيسته المحبوبة في فيلبي أو لا، لم يكن هؤلاء مسئولين أمامه هو، بل أمام المسيح. فلم يكن هو، أو أيُّ شخص آخر، مصدر قوتهم الروحية. لذلك، ناشدهم بأنه سواء جاء ورآهم أو ظل غائبًا، عليهم أن يتّكلوا على الرب، ويعيشوا كما يحق له.
قدَّم الرسول في هذا المقطع أربع سمات للمؤمنين الذين يعيشون كما يحق للمسيح، وهي أنهم: يثبُتون فيه (الآية ٢٧ب)؛ ويشتركون بعضهم مع بعضٍ بفضله (الآية ٢٧ج)؛ ويجاهدون معًا في إطاعته (الآيتان ٢٧د- ٢٨)؛ ويتألَّمون لأجله (الآيتان ٢٩-٣٠).
الألم
«لأَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ لاَ أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ. إِذْ لَكُمُ الْجِهَادُ عَيْنُهُ الَّذِي رَأَيْتُمُوهُ فِيَّ، وَالآنَ تَسْمَعُونَ فِيَّ» (فيلبي ١: ٢٩-٣٠)
السمة الرابعة للعيش «كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ» هي تألُّم المؤمنين بسبب إيمانهم بالمسيح. ومثل السمة السابقة الهبةُ هنا مزدوجة. فإنه لأَجْلِ الْمَسِيحِ، يَهَبُ الله أولادَه الإيمانَ والألمَ على حدٍّ سواء.
يأتي الفعل «وُهِبَ» من الكلمة اليونانية charizo المشتقة من الجذر نفسه الذي جاء منه الاسم charis («النعمة»)، ومعناها الحرفي «يعطي، أو يقدِّم، أو يمنح بسخاء». فالله، بنعمته السيادية، لم يكتفِ بأن يهب المؤمنين عطية الإيمان الرائعة ليؤمنوا به، لكنه وهبهم أيضًا امتيازَ أن يتألَّموا لأجله. وهذا الألم هو الذي تنبع منه مكافأة المجد الآتي (رومية ٨: ١٧؛ ١بطرس ٤: ١٢-١٦).
الأمر الأول الذي وُهِب للمؤمنين لأَجْلِ الْمَسِيحِ هو إيمان الخلاص حتى يؤمنوا به. وبواسطة هذا الإيمان، يأتي الخلاص الذي كان بولس قد ذكره لتوِّه (الآية ٢٨). أوضح بولس بمزيدٍ من التفصيل في الرسالة إلى أفسس أن
«اَللهُ الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا، وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ (بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ) وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، لِيُظْهِرَ فِي الدُّهُورِ الآتِيَةِ غِنَى نِعْمَتِهِ الْفَائِقَ، بِاللُّطْفِ عَلَيْنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ» (أفسس ٢: ٤-٨)
فكلُّ ما في الخلاص، بما في ذلك النعمة والإيمان، هو عطية الله. قال يوحنا في مقدِّمة إنجيله: «وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ» (يوحنا ١: ١٢). ولاحقًا في الإنجيل نفسه، قال يسوع للمرأة السامرية: «لَوْ كُنْتِ تَعْلَمِينَ عَطِيَّةَ اللهِ، وَمَنْ هُوَ الَّذِي يَقُولُ لَكِ أَعْطِينِي لأَشْرَبَ، لَطَلَبْتِ أَنْتِ مِنْهُ فَأَعْطَاكِ مَاءً حَيًّا» (٤: ١٠).
العطية الثانية التي يهبها الله لأولاده لأَجْلِ الْمَسِيحِ ليست جذابة بقدر العطية الأولى؛ ومع ذلك، هي جزء أساسي لا غنى عنه من النعمة الإلهية. ذكَّر بولس تيموثاوس قائلًا: «وَجَمِيعُ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَعِيشُوا بِالتَّقْوَى فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ يُضْطَهَدُونَ» (٢تيموثاوس ٣: ١٢). وقال يسوع خلال خدمته على الأرض لمن كانوا يريدون بصدق أن يتبعوه:
«وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنَ الْجَمِيعِ مِنْ أَجْلِ اسْمِي. وَلكِنِ الَّذِي يَصْبِرُ إِلَى الْمُنْتَهَى فَهذَا يَخْلُصُ... لَيْسَ التِّلْمِيذُ أَفْضَلَ مِنَ الْمُعَلِّمِ، وَلاَ الْعَبْدُ أَفْضَلَ مِنْ سَيِّدِهِ. يَكْفِي التِّلْمِيذَ أَنْ يَكُونَ كَمُعَلِّمِهِ، وَالْعَبْدَ كَسَيِّدِهِ. إِنْ كَانُوا قَدْ لَقَّبُوا رَبَّ الْبَيْتِ بَعْلَزَبُولَ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ أَهْلَ بَيْتِهِ!» (متى ١٠: ٢٢، ٢٤-٢٥؛ راجع يوحنا ١٦: ٢-٣).
وقال أيضًا: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي، فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي» (مرقس٨: ٣٤).
لكن بعد ذلك بقليل قال:
«الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَيْسَ أَحَدٌ تَرَكَ بَيْتًا أَوْ إِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ أَوْ أَبًا أَوْ أُمًّا أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلاَدًا أَوْ حُقُولاً، لأَجْلِي وَلأَجْلِ الإِنْجِيلِ، إِلاَّ وَيَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ الآنَ فِي هذَا الزَّمَانِ، بُيُوتًا وَإِخْوَةً وَأَخَوَاتٍ وَأُمَّهَاتٍ وَأَوْلاَدًا وَحُقُولاً، مَعَ اضْطِهَادَاتٍ، وَفِي الدَّهْرِ الآتِي الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ» (مرقس ١٠: ٢٩-٣٠)
وفي مناسبة أخرى، بعدما نطق يسوع بالوصية قائلًا: «اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي»، أضاف في الحال التوكيد الإلهي التالي: «لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ. لأَنَّ نِيرِي هَيِّنٌ وَحِمْلِي خَفِيفٌ» (متى ١١: ٢٩-٣٠).
هذه هي الفكرة المقصودة هنا: فإن التألُّم لأجل المسيح ليس فقط وصية، لكنه امتياز أيضًا. لم ينسَ بولس قط تنبُّؤ الرب عنه بفم حنانيا بأنه سيكون: «إِنَاءٌ مُخْتَارٌ لِيَحْمِلَ اسْمِي أَمَامَ أُمَمٍ وَمُلُوكٍ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ»، وبأنه: «يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمَ مِنْ أَجْلِ اسْمِي» (أعمال الرسل ٩: ١٥-١٦). ولاحقًا في الرسالة إلى فيلبي أوضح بولس أنه في ضوء الغنى الأبدي الهائل الذي يحصل عليه المؤمنون في المسيح، لا يمكن لشيء يتخلُّون عنه لأجله على هذه الأرض أن يُعتَبَر تضحية حقيقية، مؤكِّدًا أن
«مَا كَانَ لِي رِبْحًا، فَهذَا قَدْ حَسِبْتُهُ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ خَسَارَةً. بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي، الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ، وَأُوجَدَ فِيهِ، وَلَيْسَ لِي بِرِّي الَّذِي مِنَ النَّامُوسِ، بَلِ الَّذِي بِإِيمَانِ الْمَسِيحِ، الْبِرُّ الَّذِي مِنَ اللهِ بِالإِيمَانِ» (فيلبي ٣: ٧-٩)
فلم تقتصر البركات التي لا حصرَ لها التي حصل عليها بولس بالإيمان بالمسيح على أن يَعرف المسيح «وَقُوَّةَ قِيَامَتِهِ»، لكنها تضمَّنت أيضًا أن يشترك في «آلاَمِهِ، مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِهِ» (الآية ١٠). فالتألُّم لأجل المسيح ليس عبئًا، لكنه بالأحرى شرفٌ رفيعٌ يغدقه الله بسخاء على قدِّيسيه الأمناء.
واقع الأمر، على المؤمنين أن يفتخروا «فِي الضِّيقَاتِ، عَالِمِينَ أَنَّ الضِّيقَ يُنْشِئُ صَبْرًا، وَالصَّبْرُ تَزْكِيَةً، وَالتَّزْكِيَةُ رَجَاءً، وَالرَّجَاءُ لاَ يُخْزِي، لأَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ قَدِ انْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِالرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُعْطَى لَنَا» (رومية ٥: ٣-٥؛ راجع يعقوب ١: ٢-٤). وتذكيرًا من بطرس للمؤمنين بميراثهم السماوي ردَّد صدى تحريض بولس قائلًا:
«الَّذِي بِهِ تَبْتَهِجُونَ، مَعَ أَنَّكُمُ الآنَ إِنْ كَانَ يَجِبُ تُحْزَنُونَ يَسِيرًا بِتَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ، لِكَيْ تَكُونَ تَزْكِيَةُ إِيمَانِكُمْ، وَهِيَ أَثْمَنُ مِنَ الذَّهَبِ الْفَانِي، مَعَ أَنَّهُ يُمْتَحَنُ بِالنَّارِ، تُوجَدُ لِلْمَدْحِ وَالْكَرَامَةِ وَالْمَجْدِ عِنْدَ اسْتِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي وَإِنْ لَمْ تَرَوْهُ تُحِبُّونَهُ. ذلِكَ وَإِنْ كُنْتُمْ لاَ تَرَوْنَهُ الآنَ لكِنْ تُؤْمِنُونَ بِهِ، فَتَبْتَهِجُونَ بِفَرَحٍ لاَ يُنْطَقُ بِهِ وَمَجِيدٍ. (١بطرس ١: ٦-٨؛ راجع ٤: ١٣؛ ٥: ١٠؛ أعمال الرسل ٥: ٤١)
ثم تابع بولس حديثه مخبرًا قراءه بأنهم عندما يتألمون لأجل الرب يكون لهم الجهاد عينه الذي رأوه فيه، والآن يسمعونه فيه. تشير عبارة «الْجِهَادُ عَيْنُهُ الَّذِي رَأَيْتُمُوهُ فِيَّ» إلى المقاومة العدائية والاضطهاد اللذين واجههما بولس وسيلا عندما كانا مسجونين في فيلبي (أعمال الرسل ١٦: ١٦-٤٠). وتُشير عبارة «وَالآنَ تَسْمَعُونَ فِيَّ»، بالتأكيد، إلى سَجن الرسول الحالي في روما، الذي سبق أن ذكره (الآيات ١٢-١٨).
تقتضي مهمة الكنيسة أن تَثْبُت، وتشارك، وتجاهد، وتتألَّم لأجل الرب يسوع المسيح، لأننا «مَوْضُوعُونَ لِهذَا» (١تسالونيكي ٣: ٣).
تفسير الكتاب المقدّس - جون ماك آرثر (جون ماك آرثر)
١: ٢٩ وُهِب لكم... أن تتألَّموا. رج ح ٣: ١٠؛ ١بط ٢: ١٩-٢١؛ رج مت ٥: ١٠-١٢؛ أع ٥: ٤١. الفعل اليونانيُّ المترجم «وُهِب» هو من الاسم الدالِّ على النعمة («أُنعِم عليكم»...). فآلام المؤمنين عطيَّةُ نعمةٍ تأتي بالقوَّة (٢كو ٧: ٩ و١٠؛ ١بط ٥: ١٠) والمكافأة الأبديَّة (١بط ٤: ١٣).
الرجاء إدخال تعليقك أو فسّر عن المشكلة التي واجهتها في الأسفل.