شكراً، رسالتكم قد أرسلت
فيلبي ٩:١
تفاسير
فيلبّي (جون ماك آرثر)
٣- العناصر الأساسية للنمو في التقوى
فيلبي ١: ٩-١١
«وَهذَا أُصَلِّيهِ: أَنْ تَزْدَادَ مَحَبَّتُكُمْ أَيْضًا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ فِي الْمَعْرِفَةِ وَفِي كُلِّ فَهْمٍ، حَتَّى تُمَيِّزُوا الأُمُورَ الْمُتَخَالِفَةَ، لِكَيْ تَكُونُوا مُخْلِصِينَ وَبِلاَ عَثْرَةٍ إِلَى يَوْمِ الْمَسِيحِ، مَمْلُوئِينَ مِنْ ثَمَرِ الْبِرِّ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِمَجْدِ اللهِ وَحَمْدِهِ» (فيلبي ١: ٩-١١)
إن شغف بولس بالنمو الروحي للمؤمنين الذين تحت رعايته لم يتجلَّ فقط في كرازته، وتعليمه، وكتابته، بل تجلَّى أيضًا على النحو الأسمى في حياة الصلاة التي عاشها. فقد أكَّد لقرّائه في الرسالة إلى أفسس:
«لاَ أَزَالُ شَاكِرًا لأَجْلِكُمْ، ذَاكِرًا إِيَّاكُمْ فِي صَلَوَاتِي، كَيْ يُعْطِيَكُمْ إِلَهُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَبُو الْمَجْدِ، رُوحَ الْحِكْمَةِ وَالإِعْلاَنِ فِي مَعْرِفَتِهِ، مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي الْقِدِّيسِينَ» (أفسس ١: ١٦-١٨)
ثم أضاف لاحقًا في تلك الرسالة نفسها:
«بِسَبَبِ هذَا أَحْنِي رُكْبَتَيَّ لَدَى أَبِي رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي مِنْهُ تُسَمَّى كُلُّ عَشِيرَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَعَلَى الأَرْضِ. لِكَيْ يُعْطِيَكُمْ بِحَسَبِ غِنَى مَجْدِهِ، أَنْ تَتَأَيَّدُوا بِالْقُوَّةِ بِرُوحِهِ فِي الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ، لِيَحِلَّ الْمَسِيحُ بِالإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ، وَأَنْتُمْ مُتَأَصِّلُونَ وَمُتَأَسِّسُونَ فِي الْمَحَبَّةِ، حَتَّى تَسْتَطِيعُوا أَنْ تُدْرِكُوا مَعَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، مَا هُوَ الْعَرْضُ وَالطُّولُ وَالْعُمْقُ وَالْعُلْوُ، وَتَعْرِفُوا مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ الْفَائِقَةَ الْمَعْرِفَةِ، لِكَيْ تَمْتَلِئُوا إِلَى كُلِّ مِلْءِ اللهِ» (أفسس ٣: ١٤-١٩)
كذلك، كانت رغبة بولس الشديدة وصلواته لأجل مؤمني كولوسي هي أن يسلكوا «كَمَا يَحِقُّ لِلرَّبِّ، فِي كُلِّ رِضىً، مُثْمِرِينَ فِي كُلِّ عَمَل صَالِحٍ، وَنَامِينَ فِي مَعْرِفَةِ اللهِ» (كولوسي ١: ١٠). وقد أكَّد أيضًا محبته لأهل تسالونيكي بقوله: «نَشْكُرُ اللهَ كُلَّ حِينٍ مِنْ جِهَةِ جَمِيعِكُمْ، ذَاكِرِينَ إِيَّاكُمْ فِي صَلَوَاتِنَا» (١تسالونيكي ١: ٢). كما كان بولس يَذكُر أشخاصًا معيَّنين في صلاته بالطريقة نفسها، مثلما أكَّد لتيموثاوس قائلًا: «كَمَا أَذْكُرُكَ بِلاَ انْقِطَاعٍ فِي طَلِبَاتِي لَيْلاً وَنَهَارًا» (٢تيموثاوس ١: ٣)، ومثلما أكَّد لفليمون قائلًا: «أَشْكُرُ إِلهِي كُلَّ حِينٍ ذَاكِرًا إِيَّاكَ فِي صَلَوَاتِي ... لِكَيْ تَكُونَ شَرِكَةُ إِيمَانِكَ فَعَّالَةً فِي مَعْرِفَةِ كُلِّ الصَّلاَحِ الَّذِي فِيكُمْ لأَجْلِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ» (فليمون ٤، ٦).
في هذا النص من الرسالة إلى فيلبي، بعدما حيَّا بولس مؤمني فيلبي (١: ١-٢)، وذَكَر صلاته لأجلهم (١: ٣-٨)، كَشَفَ عن المضمون المحدَّد لتلك الصلوات. وكما كان الحال في كلِّ صلوات بولس المكتوبة، لم يُصلِّ الرسول لأجل الاحتياجات الجسدية، أو لأجل نمو الكنيسة في العدد. لم يكن ذلك يعني أن تلك الأمور غير مهمة عند بولس، لكنه يعني أن القضايا الروحية لها أهمية قصوى. فقد صنع بولس معجزات شفاء جسدية (أعمال الرسل ١٤: ٨-١٠؛ ١٩: ١١-١٢؛ ٢٠: ٩-١٢)، ونَصَحَ تيموثاوس قائلًا: «لاَ تَكُنْ فِي مَا بَعْدُ شَرَّابَ مَاءٍ، بَلِ اسْتَعْمِلْ خَمْرًا قَلِيلاً مِنْ أَجْلِ مَعِدَتِكَ وَأَسْقَامِكَ الْكَثِيرَةِ» (١تيموثاوس ٥: ٢٣)؛ لكنَّ محور تركيز صلواته تعلَّق بفائدة الآخرين الروحية.
لا توجد علامة على مستوى النضج الروحي للمؤمن أصدق من حياة الصلاة التي يعيشها. تكشف حياة صلاة بولس عن روحانيته الحقيقية أكثر مما تكشف كلُّ كرازته، وتعاليمه، ومعجزاته، بقدر روعة تلك الأمور ومبارَكة الله لها. كان عمل روح الله في قلب بولس بقوة وباستمرار هو ما يدفعه دفعًا إلى أن يصلِّي.
من الواضح أن الصلاة واجب روحي على المؤمنين. علَّم يسوع «أَنَّهُ يَنْبَغِي [على المؤمنين] أَنْ يُصَلَّى كُلَّ حِينٍ وَلاَ يُمَلَّ» (لوقا ١٨: ١). وحثَّ بولس المؤمنين على أن يكونوا «مُواظِبِينَ عَلَى الصَّلاَةِ» (رومية ١٢: ١٢)؛ وأوصاهم قائلًا: «لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى اللهِ» (فيلبي ٤: ٦). وأوصى بطرس المؤمنين قائلًا: «تَعَقَّلُوا وَاصْحُوا لِلصَّلَوَاتِ» (١بطرس ٤: ٧).
لكن الصلاة تتجاوز كثيرًا مجرد الواجب أو الالتزام؛ إذ هي ضرورة لا غنى عنها للمؤمن الناضج روحيًّا. فلا تنشأ الصلاة الحارة من مجرد شعور بالواجب، بل من رغبة داخلية عميقة. وهي لا تنبع من إلزام خارجي، بل من شغف داخلي. فالصلاة هي بالطبيعة تعبيرٌ عن أشواق عميقة من قلب ممتلئ بالروح القدس إلى إكرام الله ومباركة البشر.
لا تتعلَّق درجة نضج المؤمن روحيًّا بمدى امتثاله الظاهري لوصية الصلاة، بل بمدى انحصاره الداخلي بأن يصلِّي، بفعل محبته القوية لله وللآخرين. إن أصدق أشواق القلب تخرج في الصلاة. والقلب الأناني السطحي، الذي يركِّز في المقام الأول على المشكلات، والصراعات، والمصالح الشخصية، ستنبعث منه صلوات أنانية وسطحية. أما القلب الذي يركِّز على مجد الرب، وصالح شعبه، فستنبعث منه صلوات تركِّز على مجد الله واحتياجات الآخرين. فلا يمكن للحسِّ القوي بالواجب والإلزام أن يعوِّض عن القلب الفاتر، أو أن تنبعث منه صلاة حارة. في فترة مبكِّرة من حياة الكنيسة، وضع الرسل المعيار عندما أوصوا جماعة المؤمنين بتعيين بعض الرجال للاهتمام بالاحتياجات العملية للكنيسة، حيث كان على الرسل أن «[يواظبوا] عَلَى الصَّلاَةِ وَخِدْمَةِ الْكَلِمَةِ» (أعمال الرسل ٦: ٤).
كان بولس مكرَّسًا للرب ولنفوس البشر لدرجة مكَّنت الروح القدس من أن يولِّد بداخل قلبه شغفًا بالصلاة. فقد كان يصلِّي على الدوام، لا من منطلق إحساس ناموسي بالإلزام، بل نبعًا من محبته الحقيقية العميقة للرب وللناس، ولا سيما شعب الرب. فقد كان يصلَّي لأجل غير المؤمنين، بمن فيهم الحكام الوثنيين والمستبدِّين الذين عانى هو وغيره من المسيحيين تحت حكمهم ظلمًا وألمًا شديدَين، وأَوصى جميع المؤمنين أن يفعلوا الشيء ذاته أيضًا (١تيموثاوس ٢: ١-٢؛ راجع رومية ١٣: ١-٧؛ ١بطرس ٢: ١٣-١٧). وكان يصلي بحرارة خاصة لأجل أنسبائه من اليهود غير المؤمنين، الذين كانت «مسرة قلبه وصلاته إِلَى اللهِ لأجلهم هي لخلاصهم» (رومية ١٠: ١). كانت تلك الرغبة نابعة من «حُزْنًا عَظِيمًا وَوَجَعًا فِي [قلبه] لاَ يَنْقَطِعُ» حتى إنه كان «[يود] لَوْ [كان هو نفسه] مَحْرُومًا مِنَ الْمَسِيحِ لأَجْلِ [إخوته أنسبائه] حَسَبَ الْجَسَدِ» (رومية ٩: ٢-٣).
لكن، كان بولس يصلِّي أغلب الوقت لأجل الكنيسة، أي لأجل إخوته الروحيين في المسيح (رومية ١: ٩؛ ٢تيموثاوس ١: ٣). وقد حثَّ المؤمنين الآخرين على أن يصلُّوا بحرارة، مثلما كان هو نفسه يقدِّم باستمرار «طِلْبَةٍ، لأَجْلِ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ» (أفسس ٦: ١٨؛ راجع كولوسي ١: ٣؛ ١تسالونيكي ٥: ١٧). وذكَّر مؤمني تسالونيكي قائلًا: «الأَمْرُ الَّذِي لأَجْلِهِ نُصَلِّي أَيْضًا كُلَّ حِينٍ مِنْ جِهَتِكُمْ: أَنْ يُؤَهِّلَكُمْ إِلهُنَا لِلدَّعْوَةِ، وَيُكَمِّلَ كُلَّ مَسَرَّةِ الصَّلاَحِ وَعَمَلَ الإِيمَانِ بِقُوَّةٍ، لِكَيْ يَتَمَجَّدَ اسْمُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ فِيكُمْ، وَأَنْتُمْ فِيهِ، بِنِعْمَةِ إِلهِنَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (٢تسالونيكي ١: ١١-١٢).
يعرض النص الحالي من الرسالة إلى فيلبي خمسة أمور محدَّدة صلَّى بولس لأجلها بجدٍّ واجتهاد من أجل أهل فيلبي، ألا وهي: تَقَدُّمهم الروحي في المحبة، وفي التميُّز، وفي الاستقامة، وفي الأعمال الصالحة، وفي تمجيد الله. هذه هي العناصر الروحية الأساسية التي عيَّنها الله، وعلى جميع المؤمنين أن يطلبوها في الصلاة لأجل إخوتهم. وبسبب الخطية الساكنة في المؤمنين، وضعفهم البشري، يعجزون عن تتميم تلك الأهداف الروحية على نحو كامل؛ لكنها مع ذلك يجب أن تكون أهدافًا ثابتة يضعها كل واحد من أولاد الله نصب عينيه، ولا سيما مَن دعاهم الله إلى تولِّي مناصب قيادية في كنيسته. فالرسول نفسه اعترف لاحقًا في هذه الرسالة قائلًا: «لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلاً، وَلكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ الَّذِي لأَجْلِهِ أَدْرَكَنِي أَيْضًا الْمَسِيحُ يَسُوعُ» (فيلبي ٣: ١٢).
كما هو الحال في نصوص أخرى كثيرة (راجع رومية ٥: ٣-٤؛ ٢بطرس ١: ٥-٧)، تلك الأمور التي ذكرها بولس في فيلبي١: ٩-١١ متعاقبة؛ بُنِيَ كلٌّ منها على ما قبله. فالمحبة المتزايدة تؤدي إلى التميُّز الروحي، الذي يؤدِّي إلى الاستقامة الشخصية، التي تؤدي إلى أعمال صالحة حقيقية. وكلُّ هذه معًا تبلغ الهدف الأسمى الذي هو مجد الله وحمده.
المحبة
«وَهذَا أُصَلِّيهِ: أَنْ تَزْدَادَ مَحَبَّتُكُمْ أَيْضًا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ فِي الْمَعْرِفَةِ وَفِي كُلِّ فَهْمٍ» (١: ٩)
أيُّ شخص لديه أبسط دراية بالعهد الجديد سيعرف أن المحبة -أي محبة الله للبشر، ومحبة البشر لله ولبعضهم البعض- هي في صميم المسيحية الكتابية. فإله الكتاب المقدس ليس فقط يُحِب، بل هو نفسه محبة (١يوحنا ٤: ٨، ١٦)؛ «لأَنَّ الْمَحَبَّةَ هِيَ مِنَ اللهِ، وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ اللهِ وَيَعْرِفُ اللهَ . . . وَمَنْ يَثْبُتْ فِي الْمَحَبَّةِ، يَثْبُتْ فِي اللهِ وَاللهُ فِيهِ» (١يوحنا ٤: ٧، ١٦). لقد أحبَّ الله البشر الساقطين لدرجة أنه «بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ» (يوحنا ٣: ١٦). فالمحبة صفة مطلقة وشاملة في طبيعة الله الجوهرية، كما أنها حقيقة محورية في إنجيل يسوع المسيح.
لم يفهم أحدٌ أهميةَ المحبة مثلما فهمها الرسول بولس. فلأنه أحبَّ مؤمني فيلبي كان يصلي لأجلهم باستمرار. وكلُّ ما كان يشغله باستمرار من جهة هؤلاء القديسين، ومن جهة جميع المؤمنين الذين تحت رعايته، هو نموهم الروحي، الذي كان النمو في المحبة ضروريًا لتحقيقه. عبَّر بولس عن هذا الاهتمام نفسه بالنمو في حديثه إلى أهل غلاطية قائلًا: «يَا أَوْلاَدِي الَّذِينَ أَتَمَخَّضُ بِكُمْ أَيْضًا إِلَى أَنْ يَتَصَوَّرَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ» (غلاطية ٤: ١٩). وكانت مسئولية الرسل، والأنبياء، والمبشرين، والرعاة-المعلِّمين تقتضي:
«تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ، إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِل. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ . . . صَادِقِينَ فِي الْمَحَبَّةِ، نَنْمُو فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَى ذَاكَ الَّذِي هُوَ الرَّأْسُ: الْمَسِيحُ» (أفسس ٤: ١٢-١٣، ١٥).
كان استخدام الكلمة اليونانية agapē («المحبة») في العهد الجديد فريدًا من نوعه، لدرجة أن الأدب اليوناني القديم، بل والترجمة السبعينية أيضًا (الترجمة اليونانية للعهد القديم)، لا يلقيان ضوءًا يُذكَر على المعنى الذي جاءت به في العهد الجديد. لكن في كلا العهدين القديم والجديد، كانت المحبة هي الفضيلة التي تسمو على كلِّ الفضائل الأخرى. وواقع الأمر، أنها كانت الشرط الأساسي لكلِّ الفضائل الأخرى. عندما سأل فريسي يسوع: «يَا مُعَلِّمُ، أَيَّةُ وَصِيَّةٍ هِيَ الْعُظْمَى فِي النَّامُوسِ؟»، أجابه يسوع باقتباسٍ من تثنية ٦: ٥ ومن اللاويين ١٩: ١٨: «فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ. هذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى وَالْعُظْمَى. وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. بِهَاتَيْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ النَّامُوسُ كُلُّهُ وَالأَنْبِيَاءُ» (متى ٢٢: ٣٦-٤٠).
تحدَّث بولس أيضًا عن المحبة في المقاطع الافتتاحية من رسائل أخرى عديدة. فحين كَتَبَ إلى الكنائس في أفسس، وكولوسي، وتسالونيكي، مدح المؤمنين على محبتهم بعضهم لبعض وللمؤمنين الآخرين في كلِّ مكان (أفسس ١: ١٥؛ كولوسي ١: ٤؛ ١تسالونيكي ١: ٣؛ ٢تسالونيكي ١: ٣). ولاحقًا في الرسالة إلى كولوسي، وَصف بولس المحبة بأنها «رِبَاطُ الْكَمَالِ» (كولوسي ٣: ١٤). وفي الرسالة الأولى إلى كورنثوس، رفع بولس قدر المحبة فوق الرجاء، بل وفوق الإيمان أيضًا (١كورنثوس ١٣: ١٣). وقَبْل ذلك ببضع آيات، أعلن أن المحبة تشمل هاتين الفضيلتين الأخريين، لأن المحبة «تُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ» (الآية ٧). حقيقة الأمر، بدون المحبة الحقيقية التي بحسب مشيئة الله، كلُّ فضيلة أخرى، وكل عمل أو نشاط آخر، مهما بدا كتابيًّا وصادقًا، لا يساوي شيئًا (الآيات ١-٣).
في الآية الحالية، ذَكَرَ بولس، سواء صراحة أو ضمنًا، خمس خصائص على الأقل للمحبة (agape) المسيحية، وهي خصائص تتميَّز إحداها عن الأخرى، لكنها مترابطة في الوقت نفسه. هذه المحبة إلهية، وواقعية، وحاسمة، ونشطة، ومُمَيِّزة.
أولًا، توحي عبارة «وَهذَا أُصَلِّيهِ» ضمنًا بأن المحبة التي كَتب عنها بولس إلهية في طبيعتها وفي أصلها. التمس بولس من الله أن يمدَّ مؤمني فيلبي بمزيدٍ من المحبة التي لا تأتي سوى منه. وكان في هذا متفقًا بوضوح مع الرسول يوحنا على أن «الْمَحَبَّةَ هِيَ مِنَ اللهِ، وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ اللهِ وَيَعْرِفُ اللهَ. وَمَنْ لاَ يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ، لأَنَّ اللهَ مَحَبَّةٌ ... فِي هَذَا هِيَ الْمَحَبَّةُ: لَيْسَ أَنَّنَا نَحْنُ أَحْبَبْنَا اللهَ، بَلْ أَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا، وَأَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا... نَحْنُ نُحِبُّهُ لأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلاً» (١ يوحنا ٤: ٧-٨، ١٠، ١٩).
لا تأتي المحبة الإلهية إلا بعمل الروح القدس في قلوب الذين هم لله. «لأَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ قَدِ انْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِالرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُعْطَى لَنَا» (رومية ٥: ٥). والمحبة هي الأولى والأهم في ثمر الروح (غلاطية ٥: ٢٢-٢٣). كما يتعلَّم المؤمنون من الله نفسه أن يحبُّوا. أوضح بولس هذا بقوله: «وَأَمَّا الْمَحَبَّةُ الأَخَوِيَّةُ فَلاَ حَاجَةَ لَكُمْ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنْهَا، لأَنَّكُمْ أَنْفُسَكُمْ مُتَعَلِّمُونَ مِنَ اللهِ أَنْ يُحِبَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. فَإِنَّكُمْ تَفْعَلُونَ ذلِكَ أَيْضًا لِجَمِيعِ الإِخْوَةِ الَّذِينَ فِي مَكِدُونِيَّةَ كُلِّهَا. وَإِنَّمَا أَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ أَنْ تَزْدَادُوا أَكْثَرَ» (١تسالونيكي ٤: ٩-١٠).
مثلها كمثل محبة الله العامة للجنس البشري (يوحنا ٣: ١٦-١٧)، ومحبته الخاصة للمؤمنين (يوحنا ١٧: ٢٣؛ ١يوحنا ٤: ١٦)، المحبة الكتابية هي قرارٌ واختيارٌ. فهي تقوم فقط على قصد الشخص الذي يُحِب، وليس على أيِّ استحقاق في الذين يستقبلون المحبة. والاستثناء الوحيد لذلك، قطعًا، هو محبة المؤمن لله، الذي يستحق تلك المحبة على نحو فريد وفائق.
قال يسوع موضِّحًا طبيعة المحبة الكتابية في العظة على الجبل:
«سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ، لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ. لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضًا يَفْعَلُونَ ذلِكَ؟» (متى ٥: ٤٣-٤٦)
من الواضح إذن أن المحبة (agape) لا تقوم على الانجذاب العاطفي أو الوجداني، ناهيك إذن من الانجذاب الجسدي. لا يعني ذلك أن المحبة المسيحية خالية من المشاعر؛ فمن المحتَّم أن تُنتِج محبة المؤمنين للآخرين، حتى لأولئك الذين لا يبادلونهم المحبة نفسها، ارتباطًا عاطفيًا (راجع رومية ٩: ١-٤؛ ١٠: ١). كانت محبة بولس للمؤمنين عاطفية للغاية، ولا سيما للذين أحبُّوه واعتنوا به كثيرًا، مثل أهل فيلبي. لكن ذلك الانجذاب العاطفي لم يكن هو أساس محبته لهم. فعلى أساس الإرادة، أَحَبَّ بولس أيضًا المؤمنين غير الناضجين، والمتشاحنين، والجاحدين في كورنثوس.
ثانيًا، يمكن وصف هذه المحبة بأنها واقعية. كان مؤمنو فيلبي قد أظهروا محبتهم لبولس وبعضهم لبعض. ولهذا استطاع الرسول أن يقول إنه يريد أن تزداد محبتهم أكثر فأكثر. يعلن الكتاب المقدس أن جميع المؤمنين الحقيقيين لديهم محبة إلهية، لأن الروح القدس يسكبها في قلوبهم (راجع رومية ٥: ٥؛ غلاطية ٥: ٢٢؛ ١تسالونيكي ٤: ٩-١٠؛ ١يوحنا ٤: ٧-٨ ).
ومحبة المؤمنين بعضهم لبعض هي علامة أكيدة على إيمان الخلاص. قال يسوع: «بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي: إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ» (يوحنا ١٣: ٣٥). ولمزيدٍ من التوضيح لهذا الحق، كتب يوحنا لاحقًا: «نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّنَا قَدِ انْتَقَلْنَا مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ، لأَنَّنَا نُحِبُّ الإِخْوَةَ. مَنْ لاَ يُحِبَّ أَخَاهُ يَبْقَ فِي الْمَوْتِ . . . إِنْ قَالَ أَحَدٌ: ʼإِنِّي أُحِبُّ اللهَ‘ وَأَبْغَضَ أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ. لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟» (١يوحنا ٣: ١٤؛ ٤: ٢٠).
ثالثًا، المحبة الحقيقية حاسمة. فكما ذكرنا، هي ليست قائمة على المشاعر، لكنها قرار واعٍ ومقصود بإظهار اللطف والسخاء نحو الآخرين. وطاعةً من المؤمنين لوصية الرب، يختارون بإرادتهم أن يعبِّروا عن المحبة التي سكبها في داخلهم. وهم يفعلون ذلك سواء أكان الآخرون جديرين بتلك المحبة أم لا، وسواء أكانوا يتجاوبون مع هذه المحبة أم لا. فالمؤمنون يحبون الآخرين دون أنانية، وبإنكارٍ للذات، لأنه هكذا يُحِبُّ الله، وهكذا يوصيهم بأن يُحِبُّوا. وبإطاعة المؤمنين لوصية الرب: «تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا، كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ» (يوحنا ١٣: ٣٤)، يصيرون «مُتَمَثِّلِينَ بِاللهِ كَأَوْلاَدٍ أَحِبَّاءَ» (أفسس ٥: ١).
أوصى يسوع بذلك في العلِّيَّة، بعدما غسل أرجل التلاميذ، وقد كان غسل الأرجل مهمة وضيعة ومزعجة لا يؤديها سوى الخدم. ثم ألحقَ الرب بكلامه التوضيح التالي:
«أَنْتُمْ تَدْعُونَنِي مُعَلِّمًا وَسَيِّدًا، وَحَسَنًا تَقُولُونَ، لأَنِّي أَنَا كَذلِكَ. فَإِنْ كُنْتُ وَأَنَا السَّيِّدُ وَالْمُعَلِّمُ قَدْ غَسَلْتُ أَرْجُلَكُمْ، فَأَنْتُمْ يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَنْ يَغْسِلَ بَعْضُكُمْ أَرْجُلَ بَعْضٍ، لأَنِّي أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالاً، حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا. اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ عَبْدٌ أَعْظَمَ مِنْ سَيِّدِهِ، وَلاَ رَسُولٌ أَعْظَمَ مِنْ مُرْسِلِهِ» (يوحنا ١٣: ١٣-١٦)
كذلك، قدَّم يسوع في مَثَلِ السامري الصالح مثالًا توضيحيًّا لهذه المحبة الإرادية، والحاسمة، والباذلة (لوقا ١٠: ٣٠-٣٥). فقد ساعد السامري ذلك الرجل الغريب الذي تعرَّض للضرب والسرقة، لأنه كان بحاجة إلى المساعدة، ولم يكن هدف السامري أن يرضي نفسه، أو يحقِّق ذاته، أو يشعر بقيمته. فأن أحبُّ قريبي كنفسي معناه أن أفعل كل ما بوسعي لتلبية احتياجاته بالطريقة نفسها وبالدرجة نفسها التي أبغي أن تلبَّى بها احتياجاتي الشخصية في ظلِّ ظروف مماثلة. كما يعني ذلك تطبيق القاعدة الذهبية التي تقول: «فَكُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ، لأَنَّ هذَا هُوَ النَّامُوسُ وَالأَنْبِيَاءُ» (متى ٧: ١٢).
ومرة أخرى، يمثِّل يسوع النموذج الأسمى للمحبة الباذلة. قال يسوع في يوحنا ١٥: ١٢-١٣، «هذِهِ هِيَ وَصِيَّتِي أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ. لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ». وكتب بولس يقول: «فَكُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِاللهِ كَأَوْلاَدٍ أَحِبَّاءَ، وَاسْلُكُوا فِي الْمَحَبَّةِ كَمَا أَحَبَّنَا الْمَسِيحُ أَيْضًا وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، قُرْبَانًا وَذَبِيحَةً للهِ رَائِحَةً طَيِّبَةً» (أفسس ٥: ١-٢). ويوصَى الأزواج تحديدًا بهذا: «أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا» (الآية ٢٥).
قدَّم بولس لاحقًا في الرسالة إلى فيلبي الملخَّص التالي عن المحبة الإلهية، الذي ربما كان الأكثر ثراءً على الإطلاق:
«فَإِنْ كَانَ وَعْظٌ مَا فِي الْمَسِيحِ. إِنْ كَانَتْ تَسْلِيَةٌ مَا لِلْمَحَبَّةِ. إِنْ كَانَتْ شَرِكَةٌ مَا فِي الرُّوحِ. إِنْ كَانَتْ أَحْشَاءٌ وَرَأْفَةٌ، فَتَمِّمُوا فَرَحِي حَتَّى تَفْتَكِرُوا فِكْرًا وَاحِدًا وَلَكُمْ مَحَبَّةٌ وَاحِدَةٌ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، مُفْتَكِرِينَ شَيْئًا وَاحِدًا، لاَ شَيْئًا بِتَحَزُّبٍ أَوْ بِعُجْبٍ، بَلْ بِتَوَاضُعٍ، حَاسِبِينَ بَعْضُكُمُ الْبَعْضَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. لاَ تَنْظُرُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لآخَرِينَ أَيْضًا. فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا: الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً ِللهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ» (٢: ١-٨)
توجد اليوم حاجة ماسة إلى ذلك النوع من المحبة الإرادية، والمتضعة، والباذلة في الكنيسة. هذه المحبة تتأثر في كثير جدًا من الأحيان بمفاهيم العالم الخاطئة عن المحبة. فلم يَعُد الناس يكترثون كثيرًا بالمحبة السخية، غير الأنانية (ناهيك إذن من المحبة الإلهية). لكنَّ مفهوم العالم عن المحبة يركِّز على المصلحة الشخصية، حتى في حالة دعم قضايا تهدف إلى مساعدة الآخرين. وللأسف، حتى داخل الكنيسة نفسها، يُطلَب من الناس أحيانًا أن يقدِّموا عطايا لدعم عمل الرب، لأن هذا سيُشعِرهم بالرضا عن أنفسهم.
رابعًا، المحبة الإلهية نشطة؛ فإن لديها القدرة على أن تَزْدَادَ. ليست المحبة مجرد عاطفة أو شعور. وبنموِّها، تتجلَّى دائمًا على نحو متزايد في سيرة بارة وخدمة متواضعة. ويأتي الفعل «تَزْدَادَ» من الفعل اليوناني perisseuō، الذي ينقل فكرة أساسية هي الفَيْض بوفرة شديدة. وفي هذه الآية، يشير زمن الفعل المضارع إلى تقدُّم مستمر. فينبغي أن تنمو المحبة وتَزْدَادَ طوال حياة المؤمن. استخدم يسوع الفعل نفسه في مَثَلِ الزارع، موضحًا أنه «قَدْ أُعْطِيَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرَارَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، وَأَمَّا لأُولَئِكَ فَلَمْ يُعْطَ. فَإِنَّ مَنْ لَهُ سَيُعْطَى وَيُزَادُ، وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ فَالَّذِي عِنْدَهُ سَيُؤْخَذُ مِنْهُ» (متى ١٣: ١١-١٢).
نظرًا للطبيعة الإلهية لهذه المحبة النشطة، فهي تحفز على تتميم الناموس الإلهي. قال يسوع إن تتميم أعظم وصيتين بمحبة الله والناس، هو أساس كلِّ الناموس والأنبياء (متى ٢٢: ٣٧-٤٠). وبكلمات مماثلة، قال بولس: «مَنْ أَحَبَّ غَيْرَهُ فَقَدْ أَكْمَلَ النَّامُوسَ. لأَنَّ ’لاَ تَزْنِ، لاَ تَقْتُلْ، لاَ تَسْرِقْ، لاَ تَشْهَدْ بِالزُّورِ، لاَ تَشْتَهِ‘، وَإِنْ كَانَتْ وَصِيَّةً أُخْرَى، هِيَ مَجْمُوعَةٌ فِي هذِهِ الْكَلِمَةِ: ’أَنْ تُحِبَّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ‘. اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَصْنَعُ شَرًّا لِلْقَرِيبِ، فَالْمَحَبَّةُ هِيَ تَكْمِيلُ النَّامُوسِ» (رومية ١٣: ٨-١٠).
يَنُصُّ القانون الثاني للديناميكا الحرارية على أن كلَّ مادة وطاقة في الكون هي في حالة مستمرة من القصور الحراري (أو «الإنتروبيا»)، وهي عبارة عن عملية من التدهور المستمر. ولهذا القانون الفيزيائي ما يعادله في الحياة المسيحية. فبداخل المؤمنين يوجد أصلٌ متبقٍّ ومدمِّر يسبِّب القصور الروحي، ويضغط على شعب الله حتى يتراجعوا إلى الوراء. وكي يتجنَّب المؤمنون ذلك، عليهم دراسة كلمة الله وإطاعتها باجتهاد، والمثول أمام الله في الصلاة، والاتكال على عمل نعمته وقوَّته المستمرين لنموّهِم وازديادهم في المحبة.
وَصَفَ بولس صراعه الشخصي مع هذا الأصل المتبقِّي في رومية ٧: ٢١-٢٥، على النحو التالي:
«أَجِدُ النَّامُوسَ لِي [«قد تعلَّمتُ هذه القاعدة»] حِينَمَا أُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى أَنَّ الشَّرَّ حَاضِرٌ عِنْدِي. فَإِنِّي أُسَرُّ بِنَامُوسِ اللهِ بِحَسَبِ الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ. وَلكِنِّي أَرَى نَامُوسًا آخَرَ فِي أَعْضَائِي يُحَارِبُ نَامُوسَ ذِهْنِي، وَيَسْبِينِي إِلَى نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ الْكَائِنِ فِي أَعْضَائِي. وَيْحِي أَنَا الإِنْسَانُ الشَّقِيُّ! مَنْ يُنْقِذُنِي مِنْ جَسَدِ هذَا الْمَوْتِ؟ أَشْكُرُ اللهَ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا! إِذًا أَنَا نَفْسِي بِذِهْنِي أَخْدِمُ نَامُوسَ اللهِ، وَلكِنْ بِالْجَسَدِ نَامُوسَ الْخَطِيَّةِ».
في الرسالة إلى أفسس، دعا بولس هذا المَيل المستمر إلى الخطية «الإِنْسَانَ الْعَتِيقَ الْفَاسِدَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِ الْغُرُورِ» (أفسس ٤: ٢٢؛ راجع كولوسي ٣: ٩). ولهذا ذكَّر كنيسة كورنثوس بأنَّ اللهَ وحده «قَادِرٌ أَنْ يَزِيدَكُمْ كُلَّ نِعْمَةٍ، لِكَيْ تَكُونُوا وَلَكُمْ كُلُّ اكْتِفَاءٍ كُلَّ حِينٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ، تَزْدَادُونَ فِي كُلِّ عَمَل صَالِحٍ» (٢كورنثوس ٩: ٨). ولهذا أيضًا صلَّى لأجل مؤمني تسالونيكي قائلًا: «الرَّبُّ يُنْمِيكُمْ وَيَزِيدُكُمْ فِي الْمَحَبَّةِ بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ وَلِلْجَمِيعِ، كَمَا نَحْنُ أَيْضًا لَكُمْ» (١تسالونيكي ٣: ١٢؛ راجع ١يوحنا ٣: ١١).
كذلك، تزخر ديناميكية المحبة الإلهية بالمعرفة الحقيقية، أي المعرفة الصحيحة والمعصومة المعلَنة في كلمة الله. وأي محبة غير متأصلة في حق الكتاب المقدس ومقاييسه، ولا تنمو فيهما، لا ترقى إلى مستوى المحبة الكتابية الحقيقية. تلك المعرفة الحقيقية تتجاوز كثيرًا مجرد معلومات أو حقائق عن كلمة الله، أو حتى الإقرار بأنها صحيحة ومعصومة. إن المعرفة الحقيقية تُثمِر قداسة من خلال الإخلاص الصادق للكتاب المقدس المعصوم، والطاعة الحقيقية له. فلأن المؤمنين الأمناء في رومية كانوا يسلكون بالبر، أمكن لبولس أن يقول لهم: «وَأَنَا نَفْسِي أَيْضًا مُتَيَقِّنٌ مِنْ جِهَتِكُمْ، يَا إِخْوَتِي، أَنَّكُمْ أَنْتُمْ مَشْحُونُونَ صَلاَحًا، وَمَمْلُوؤُونَ كُلَّ عِلْمٍ، قَادِرُونَ أَنْ يُنْذِرَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا» (رومية ١٥: ١٤). فالفضيلة وثيقة الصلة بالمعرفة الحقيقية (الصحيحة) بالحق الإلهي. «لأَنَّ ثَمَرَ الرُّوحِ هُوَ فِي كُلِّ صَلاَحٍ وَبِرٍّ وَحَقٍّ [معرفة]» (أفسس ٥: ٩). وبالمثل، قال بطرس: «طَهِّرُوا نُفُوسَكُمْ فِي طَاعَةِ الْحَقِّ بِالرُّوحِ لِلْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ الْعَدِيمَةِ الرِّيَاءِ، فَأَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ بِشِدَّةٍ» («لَقَدْ طَهَّرْتُمْ أنْفُسَكُمْ بِإطَاعَتِكُمْ لِلحَقِّ. فَأظْهِرُوا مَحَبَّةً أخَوِيَّةً مُخْلِصَةً، وَليُحِبَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا مَحَبَّةً شَدِيدَةً مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ» [الترجمة العربية المبسَّطة]، ١بطرس ١: ٢٢). تُرجمت كلمة «بِشِدَّةٍ» من الكلمة اليونانية ektenōs، التي تنقل فكرة التمدُّد، أو الجذب بقوة، أو الوصول إلى أقصى حد. وتعبِّر مجازيًا عن الإخلاص، والجدية، والحماس الشديدين. فالطاعة لكلمة الله، التي هي المصدر الوحيد للمعرفة الحقيقية، تطهِّر النَّفْس، وتمكِّن المرء من أن يحب إلى أقصى حدٍّ.
تنطوي المحبة الكتابية على إطاعة الكلمة. قال يسوع: «إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فَاحْفَظُوا وَصَايَايَ ... اَلَّذِي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ الَّذِي يُحِبُّنِي ... إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلاَمِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلاً... إِنْ حَفِظْتُمْ وَصَايَايَ تَثْبُتُونَ فِي مَحَبَّتِي، كَمَا أَنِّي أَنَا قَدْ حَفِظْتُ وَصَايَا أَبِي وَأَثْبُتُ فِي مَحَبَّتِهِ» (يوحنا ١٤: ١٥، ٢١، ٢٣؛ ١٥: ١٠؛ راجع ١يوحنا ٣: ٢٤).
لا يمكن أن يَقبل الله -أو يبارك- أيَّ دافع أو شعور يقود المرء إلى عصيان الكتاب المقدس. فهذا النوع من «المحبة» ليس فقط لا يعكس المحبة الإلهية، لكنه أيضًا نقيضها وعدوُّها. وعلى سبيل المثال، إن الذين يحاولون تبرير علاقة عاطفية غير أخلاقية يرفضون كلمة الله بادعائهم أن الرب قادهم إلى الوقوع في حب الشخص الآخر. فالكتاب المقدس يدين بوضوح كلَّ فجور جنسي بلا استثناء، بما في ذلك الناتج عن انجذاب عاطفي ورومانسي.
خامسًا، المحبة الإلهية مُمَيِّزة. فهي تزداد ليس فقط في حياة الشخص الذي عنده المعرفة الصحيحة والدقيقة بكلمة الله، بل تزداد أيضًا «فِي كُلِّ فَهْمٍ». كلمة Aisthēsis اليونانية (التي تُرجِمت إلى «فَهْمٍ») هي مصدر الكلمة الإنجليزية «aesthetic» (أي «ما هو جمالي»). لكنَّ معنى كلمة Aisthēsis يكاد يكون عكس معنى كلمة aesthetic، التي تتعلق إلى حد كبير بالذوق والتفضيل الشخصي. فقد دعا بولس المؤمنين إلى تنحية الأذواق والتفضيلات الشخصية جانبًا، والتركيز بدلًا منها على الوصول إلى بصيرة وإدراك ناضجين. لم تَرد كلمة Aisthēsis في كلِّ العهد الجديد في سوى هذه الآية، وهي تشير إلى مستوى عالٍ من الإدراك الكتابي، واللاهوتي، والأخلاقي، والروحي. كما تعني ضمنًا التطبيق السليم لتلك المعرفة. بتعبير آخر، الفهم (التمييز) هو إدراك وتقدير المعرفة الحقيقية بإعلان الله، اللذان يثمران سلوكًا مقدَّسًا. وعلى خلاف الوصف المعتاد للمحبة الدنيوية، فإن المحبة الكتابية بعيدة كل البعد عن أن تكون عمياء، إذ هي -على النقيض- محبة حكيمة وعاقلة. فهي تفهم «فِكْرُ الْمَسِيحِ» (١كورنثوس ٢: ١٦)، وتتمتع بالمعرفة، وتجري تقييمات حكيمة، وتعطي توجيهات واضحة لحياة القداسة. فهي محبة تتسم بالمعرفة والتمييز الكتابيين، وتخضع لسيطرة الذهن والقلب الخاضعَين لسيطرة الروح القدس. وهي ذلك النوع من المحبة القادر على تنفيذ نصيحة بولس لمؤمني تسالونيكي: «امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ. تَمَسَّكُوا بِالْحَسَنِ. امْتَنِعُوا عَنْ كُلِّ شِبْهِ شَرّ» (١تسالونيكي ٥: ٢١-٢٢).
تفسير الكتاب المقدّس - جون ماك آرثر (جون ماك آرثر)
١: ٩ في المعرفة. هذا مصدرُ الكلمة اليونانيَّة التي تصف المعرفة الأصيلة أو الكاملة أو المتقدِّمة. فالمحبَّة في الكتاب ليست عاطفيَّةً فارغة، بل هي مُتأصِّلةٌ بعُمق في حقِّ الكلمة المقدَّسة ومنتظمةٌ بموجبه (رج أف ٥: ٢ و٣؛ ١بط ١: ٢٢).
فهم. تدلُّ الكلمة اليونانيَّة عن الإدراك والتبصُّر الخُلُقيَّين، وتطبيق المعرفة عمليًّا. فالمحبَّة ليست عمياء، بل مُدرِكةٌ ومُميِّزة، وهي تُدقِّق بانتباه للتمييز بين الصحيح والخطأ. رج ح ١تس ٥: ٢١ و٢٢.
الرجاء إدخال تعليقك أو فسّر عن المشكلة التي واجهتها في الأسفل.