شكراً، رسالتكم قد أرسلت
يهوذا ٤:١
تفاسير
تفسير الكتاب المقدّس - جون ماك آرثر (جون ماك آرثر)
سُمِّيت رسالة يهوذا باسم كاتبها (ع ١)، أحدِ إخوة المسيح الأربعة غير الأشقَّاء (مت ١٣: ٥٥؛ مر ٦: ٣). والرسالة هي رابعُ أقصر الأسفار في العهد الجديد (فل ١ و٢يو أقصر منها)، والأخيرة في الرسائل العامَّة الثماني. ولا يقتبس يهوذا من العهد القديم مباشرةً، إلّا أنّ في الرسالة على الأقل تسعة تلميحات واضحة إليه. وبموجب سياق النصّ، يمكن أن تُطلَق على هذه « الرسالة / الموعظة» التسميةُ «سفرُ أعمال المُرتدِّين».
مع أنّ «يهوذا» كان اسمًا شائعًا في فلسطين (يُذكَر في كتاب العهد الجديد على الأقلِّ ثمانية أشخاص أسماؤهم «يهوذا»)، فإنّ كاتب رسالة يهوذا لقي قبولًا عامًّا على أنه يهوذا أخو المسيح غيرُ الشقيق. ويجب تمييزه من الرسول يهوذا، واحدٍ من تلاميذ المسيح الاثني عشر. تؤدِّي بضعةُ خُيوط فكريَّة إلى الاستنتاج التالي: ١) إشارةُ يهوذا إلى أنه «أخو يعقوب» رئيس مجمع أورشليم (أع ١٥) وأخٍ غير شقيق آخر ليسوع (ع ١؛ رج غل ١: ١٩)؛ ٢) التشابه بين تحيَّة يهوذا الاستهلاليَّة ونظيرتها في رسالة يعقوب (رج يع ١: ١)؛ ٣) عدم تصنيف يهوذا نفسَه رسولًا (ع ١)، بل بالأحرى تمييزُه بين نفسه والرسُل (ع ١٧).
إنّ الارتداد العقائديَّ والأخلاقيَّ الذي تبحث فيه رسالة يهوذا (ع ٤-١٨) يُشبه كثيرًا ذاك الذي تتناوله ٢بط (٢: ١-٣: ٤). ويُعتقَد أنّ كتابة بطرس سبقت تاريخيًّا كتابة يهوذا، للسبَبين التاليين: ١) تتوقَّع رسالة ٢بط مجيء المعلِّمين الزائفين (٢بط ٢: ١ و٢؛ ٣: ٣)، فيما تعالج رسالة يهوذا وضعهم (ع ٤ و١١ و١٢ و١٧ و١٨)؛ ٢) تقتبس رسالة يهوذا مباشرةً ٢بط ٣: ٣ وتعترف بأنّ ذلك قاله رسول (ع ١٧ و١٨). وبما أنّ رسالة يهوذا لا تذكر خراب أورشليم في ٧٠ ب م، مع أنها على الأرجح جاءت بعد رسالة ٢بط (حوالى ٦٨-٧٠ ب م)، فإنها على وجه التأكيد تقريبًا كُتِبت قبل خراب أورشليم. ورغم قيام يهوذا فعلًا بسفراتٍ تبشيريَّة مع إخوةٍ آخرين وزوجاتهم (١كو ٩: ٥)، فالأرجح أنه كتب من أورشليم. أمّا جمهور المؤمنين الذين إليهم أرسل يهوذا رسالته فغير معروفين على وجه الدقَّة، ولكن يبدو أنهم يهود في ضوء الأمثلة الإيضاحيَّة التي يقدِّمها. فلا شكَّ في أنه كتب إلى منطقة ابتُلِيَت حديثًا بالمعلِّمين الزائفين.
ومع أنّ يهوذا كان قد رفض قبلًا يسوع بصفته المسيح (يو ٧: ١-٩)، فإنه، مع إخوة ربِّنا الآخرين غير الأشقَّاء، اهتدى إلى الإيمان بعد قيامة المسيح (أع ١: ١٤). وبسبب قرابة يهوذا ليسوع، ومعرفتهِ للمسيح المقام معرفةَ شاهدِ عِيان، ومُحتوى هذه الرسالة، فقد اعتُرِف بكونها سِفرًا موحًى به، وأُدرِجت ضمن لائحة الأسفار المقدَّسة المعروفة باسم «القانون الموراتوريّ» (١٧٠ ب م). ثمّ إنّ الأسئلة الباكرة بشأن قانونيَّة الرسالة تميل إلى دعم كونها كُتِبت بعد ٢بط. فلو أنّ بطرس كان قد اقتبس من يهوذا، لَمَا ثار أيُّ سؤال عن القانونيَّة، لأنّ بطرس يكون بذلك قد أبدى توكيدًا رسوليًّا ليهوذا. وقد ألمح أكليمندُس الرومانيُّ (حوالى ٩٦ ب م) وأكليمندُس الإسكندريُّ (حوالى ٢٠٠ ب م) أيضًا إلى مَوثوقيَّة رسالة يهوذا. أضِف أنّ حجم الرسالة الصغير جدًّا، واقتباسات يهوذا من كتابات غير موحًى بها، تُعلِّل أيّة أسئلة في غير محلِّها بشأن قانونيَّتها.
عاش يهوذا في زمنٍ كانت المسيحيَّة فيه عرضةً لهجوم سياسيٍّ شرس من قِبَل روما، وتسلُّلٍ روحيٍّ عدائيٍّ من قِبَل مُرتدِّين وفاسقين شبه غنُوصيِّين زرعوا بذورًا وافرة لمحصول هائل من الضلال العقائديّ. وربما كان ذلك مُمهِّدَ السبيلِ للغنُوصيَّة المكتملة التي كان للرسول يوحنا أن يتصدَّى لها في رسائله بعد أكثر من ٢٥ سنة. وما عدا يوحنا الذي عاش حتّى أواخر القرن الأوَّل، استُشهِد جميع الرسُل، وساد اعتقادٌ أنّ المسيحيَّة في هزالٍ شديد. وهكذا، فإنّ يهوذا دعا الكنيسة إلى الكفاح لأجل الحقِّ في خِضَمِّ حربٍ روحيَّة شديدة.
رسالة يهوذا هي سِفرُ العهدِ الجديدِ الوحيدُ المُخصَّص بجملته لمواجهة «الارتداد»، بمعنى الرجوع الكليِّ عن الإيمان الصحيح الذي هو بحسب الكتاب المقدَّس (ع ٣ و١٧). وقد وَرَدَ وَصفُ المُرتدِّين في مواضع أخرى تتضمَّن ٢تس ٢: ١٠؛ عب ١٠: ٢٩؛ ٢بط ٢: ١-٢٢؛ ١يو ٢: ١٨-٢٣. وقد كتب يهوذا كي يَدينَ المُرتدِّين، ويحضَّ المؤمنين على الكفاح لأجل الإيمان. وهو دعا إلى حُسن التمييز من جانب الكنيسة، وإلى الدفاع الحازم عن الحقِّ الكتابيِّ المقدَّس. وبذلك اقتدى بالنماذج الأبكر المُتمثِّلة في: ١) المسيح (مت ٧: ١٥ وما يلي؛ ١٦: ٦-١٢؛ ٢٤: ١١ وما يلي؛ رؤ ٢ و٣)؛ ٢) بولس (أع ٢٠: ٢٩ و٣٠؛ ١تي ٤: ١؛ ٢تي ٣: ١-٥؛ ٤: ٣ و٤)؛ ٣) بطرس (٢بط ٢: ١ و٢؛ ٣: ٣ و٤)؛ ٤) يوحنا (١يو ٤: ١-٦؛ ٢يو ٦-١١).
ورسالة يهوذا حافلةٌ بأمثلة تاريخيَّة توضيحيَّة من العهد القديم، تتضمَّن ١) الخروج من مصر (ع ٥)؛ ٢) تمرُّد الشيطان (ع ٦)؛ ٣) خراب سدوم وعمورة (ع ٧)؛ ٤) وفاة موسى (ع ٩)؛ ٥) قايين (ع ١١)؛ ٦) بلعام (ع ١١)؛ ٧) قورح (ع ١١)؛ ٨) أخنوخ (ع ١٤ و١٥)؛ ٩) آدم (ع ١٤).
كذلك أيضًا وَصَفَ يهوذا المُرتدِّين وصفًا نابضًا بالحياة من حيث أخلاقُهم وأنشطتهم الفاجرة (ع ٤ و٨ و١٠ و١٦ و١٨ و١٩). وفضلًا عن ذلك، استعار من الطبيعة كي يوضح عُقم تعليمهم (ع ١٢ و١٣). وبينما لم يُعلِّق قطُّ على المحتوى المحدَّد الذي يشتمل عليه تعليمُهم الزائف، كان كافيًا أن يُبيِّن أنّ حياتهم الشخصيَّة المنحطَّة وخدماتهم غير المُثمِرة نمَّت عن محاولاتِهم تعليمَ الضلال كما لو كان هو الحقّ. وهذا التشديد على الأخلاق يكرِّر الموضوع الثابت بشأن المعلِّمين الزائفين: فسادهم. فبينما يتَّصف تعليمهم بالذكاء والمكر والخداع والإغواء، ويُعرَض بأشكال شتَّى، تبقى الطريقة الوحيدة لتمييزهم أن نتخطَّى بأنظارنا واجهاتِهم الروحيَّةَ الزائفة ونرى حياتهم الشرِّيرة (٢بط ٢: ١٠ و١٢ و١٨ و١٩).
بسبب عدم البحث في أيّة قضايا عقائديَّة، فإنّ العقبات في هذه الرسالة تتعلَّق بالتفسير المُعتاد بغية تمييز معنى النصّ. ويقتبس يهوذا فعلًا من مصادر الأسفار غير القانونيَّة المنسوبة إلى غير مؤلِّفيها الحقيقيِّين (أي أنّ المؤلِّف الفعليَّ لم يكن ذاك المُسمَّى في عناوينها)، مِثل أخنوخ الأوَّل (ع ١٤)، وانتقال موسى (ع ٩) لدعم مُرادِه. فهل كان هذا مقبولًا؟ بما أنّ يهوذا كان يكتب خاضعًا لوحي الروح القدس (٢تي ٣: ١٦؛ ٢بط ١: ٢٠ و٢١) وضمَّن مادةً كانت دقيقة وصحيحة في توكيداتها، فهو لم يفعل قطُّ خلاف ما فعله بولس (رج أع ١٧: ٢٨؛ ١كو ١٥: ٣٣؛ تي ١: ١٢).
المحتوى
أوَّلًا: تمنِّيات يهوذا (١ و٢)
ثانيًا: إعلان الحرب على المُرتدِّين (٣ و٤)
ثالثًا: حصيلة المُرتدِّين المُهلِكة (٥-٧)
رابعًا: شجب المُرتدِّين (٨-١٦)
خامسًا: دفاعات ضدَّ المُرتدِّين (١٧-٢٣)
سادسًا: تمجيد يهوذا لله (٢٤ و٢٥)
٤ دخل خلسةً أُناس. كان هؤلاء من المعلِّمين الزائفين المُتسلِّلين المتظاهرين بأنهم حقيقيُّون، وقد بَدَوا حسب الظاهر أُصُلاً، غير أنّ نِيَّاتهم كانت معقودة على تضليل شعب الله (رج مت ٧: ١٥؛ أع ٢٠: ٢٩؛ غل ٢: ٤ و٥؛ ١تي ٤: ١-٣؛ ٢بط ٢: ١ و٢٠؛ ١يو ٢: ١٨-٢٣). وهؤلاء المُرتدُّون كانوا تزييفات شيطانيَّة، يُرجَّح جدًّا أنهم أدَّوا دور المُعلِّمين الجوَّالين (رج ٢كو ١١: ١٣-١٥؛ ٢بط ٢: ١-٣؛ ٢يو ٧-١١). وقد جعلهم تسلُّلهم في الخفاء خَطِرين فعلاً، إذِ اتَّصفوا بثلاث سِمات: ١) كانوا غير أتقياء؛ ٢) حوَّروا النعمة؛ ٣) أنكروا المسيح.
قد كُتبوا منذ القديم. عُمومًا، كُتِب عن الارتداد والمُرتدِّين ودِينوا قبل عدَّة قرون، كما توضح الأمثلة في ع ٥-٧ وكما تكلَّم أخنوخ في ع ١٤-١٦. رج إش ٨: ١٩-٢١؛ ٤٧: ٩-١٥؛ هو ٩: ٩؛ صف ٣: ١-٨. وقد سبق أن كُتِب عن هلاكهم في الأسفار المقدَّسة كإنذار لجميع الذين سيأتون بَعد. كذلك نبَّه المسيح بشأنهم في مت ٧: ١٥-٢٠ (رج أع ٢٠: ٢٩). أمّا التحذير الأحدث عهدًا آنذاك فكان ٢بط ٢: ٣ و١٧؛ ٣: ٧.
هذه الدَّينونة. إشارة إلى الدينونة التي تمَّ التكلُّم عنها «منذ القديم». فإنّ عرضَ يهوذا الحاليَّ للمُرتدِّين وضَعهم على درب دينونة الله ذاتِها التي كُتب عنها سابقًا.
فجَّار. حرفيًّا «بلا تقوى» أو «بلا عِبادة». إنّ عدم توقيرهم لله تبيَّن بحقيقة كونهم قد تسلَّلوا إلى كنيسة الله كي يُفسدوها ويكسبوا الثراء من أهلها. رج ع ١٥ و١٦ و١٨ و١٩.
الدَّعارة. حرفيًّا «الرذيلة الجامحة» أو «اللاأخلاقيَّة الفاضِحة»، ممّا يصف نمط الحياة المُخزي لدى شخص يتباهى دون مهابة لنعمة الله مُنغمِسًا في الفُسوق المفضوح وغير المكبوح (رو ٦: ١٥).
ينكرون السيِّد... ربَّنا يسوع المسيح. إنّ المُرتدِّين السالكين طريق الشرّ، لم يقبلوا المسيح على أنه السيِّد المُهيمِن، وأبَوا أن يعترفوا قطعًا بالمسيح على أنه الربُّ الجليل. ومخطوطات العهد الجديد الفُضلى تحذف «الله» من النصّ، واضعةً التركيز بوضوح على شخص واحد، هو الربُّ يسوع المسيح، ومُشدِّدةً على أنّ المُرتدِّين ينكرونه. رج ح ٢بط ٢: ١؛ رج مت ١٠: ٣٣؛ ٢تي ٢: ١٢؛ تي ١: ١٦؛ ١يو ٢: ٢٢ و٢٣. ويصحُّ دائمًا بالنسبة إلى المُرتدِّين والمعلِّمين الزائفين والأديان الباطلة أنهم يُحرِّفون ما تُعلِن الكلمة المقدَّسة أنه حقٌّ في ما يتعلَّق بالربِّ يسوع المسيح.
الرجاء إدخال تعليقك أو فسّر عن المشكلة التي واجهتها في الأسفل.