شكراً، رسالتكم قد أرسلت
فيلبي ٧:١
تفاسير
فيلبّي (جون ماك آرثر)
٢- عناصر الفرح
فيلبي ١: ٣-٨
«أَشْكُرُ إِلهِي عِنْدَ كُلِّ ذِكْرِي إِيَّاكُم دَائِمًا فِي كُلِّ أَدْعِيَتِي، مُقَدِّمًا الطَّلْبَةَ لأَجْلِ جَمِيعِكُمْ بِفَرَحٍ، لِسَبَبِ مُشَارَكَتِكُمْ فِي الإِنْجِيلِ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ إِلَى الآنَ. وَاثِقًا بِهذَا عَيْنِهِ أَنَّ الَّذِي ابْتَدَأَ فِيكُمْ عَمَلاً صَالِحًا يُكَمِّلُ إِلَى يَوْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. كَمَا يَحِقُّ لِي أَنْ أَفْتَكِرَ هذَا مِنْ جِهَةِ جَمِيعِكُمْ، لأَنِّي حَافِظُكُمْ فِي قَلْبِي، فِي وُثُقِي، وَفِي الْمُحَامَاةِ عَنِ الإِنْجِيلِ وَتَثْبِيتِهِ، أَنْتُمُ الَّذِينَ جَمِيعُكُمْ شُرَكَائِي فِي النِّعْمَةِ. فَإِنَّ اللهَ شَاهِدٌ لِي كَيْفَ أَشْتَاقُ إِلَى جَمِيعِكُمْ فِي أَحْشَاءِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ» (فيلبي ١: ٣-٨)
ثمة يقيِّم اختبار شهير للاكتئاب الناس بمقياس من واحد إلى عشرة. وكلما زادت النتيجة، كان الاكتئاب أشد حدة. لو حدث أن خضع الرسول بولس لهذا الاختبار، لكانت النتيجة بلا شك صفر، وذلك لأن فرحه كان كاملًا، يتعذَّر كبحه. فمثل كاتب المزمورين ٤٢ و٤٣، عرف بولس كيف يتغلَّب على الاكتئاب، والتوتر، والقلق (راجع مزمور ٤٢: ٥، ١١؛ ٤٣: ٥).
ومع ذلك، كانت ظروف بولس عصيبة وقت كتابة هذه الرسالة. فقد كان مسجونًا في روما، ينتظر على الأرجح حُكمًا بالإعدام. صحيح أنه خرج من هذا السجن لاحقًا، لكنه لم يكن متيقنًا من حدوث ذلك وقت كتابة الرسالة إلى فيلبي. وكان رهن الإقامة الجبرية (أعمال الرسل ٢٨: ٢٣، ٣٠)، مقيَّدًا بسلاسل إلى عسكري روماني (أعمال الرسل ٢٨: ١٦) لمنع أي احتمال للهرب. وفي هذا السجن، ذَبُلَ بولس، إذا كان عاجزًا عن القيام بالعمل الذي يحبه، فيما استغل آخرون وضعه ليكرزوا بالإنجيل عن حسد وخصام (١: ١٥-١٧). ومع ذلك، فاض قلبه بالفرح (١: ١٨). وفي واقع الأمر، زادت هذه الظروف الصعبة فرح بولس كثيرًا، لأنه كان واثقًا في قصد الرب السيادي، فلجأ إليه أكثر طالبًا القوة والتعزية.
ليس الفرح الحقيقي عاطفة مؤقتة وعابرة تأتي وتمضي حسب الظروف، لكنه شيء ثابت لا يتزعزع في الحياة الممتلئة بالروح بالقدس (راجع رومية ١٤: ١٧). ولأن بولس كان قريبًا من الله طوال الوقت، كان فرِحًا على الدوام. وقد اختبر في أعماق قلبه وروحه سلامًا يفوق الوصف (٤: ٧)، واكتفاء (٤: ١١)، مستمدَّين من الروح القدس، إذ كان ضميره صالحًا وبلا عثرة من نحو الله (أعمال الرسل ٢٣: ١؛ ٢٤: ١٦؛ ٢كورنثوس ١: ١٢؛ ٢تيموثاوس ١: ٣).
لم تكن كنيسة فيلبي كنيسة مثالية، لكن بالمقارنة بمعظم الكنائس الأخرى التي كان بولس على صلة بها، لم تكن لديهم مشاكل أخلاقية أو روحية كبرى. فقد حثَّهم بولس قائلًا: «عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، حَتَّى إِذَا جِئْتُ وَرَأَيْتُكُمْ، أَوْ كُنْتُ غَائِبًا أَسْمَعُ أُمُورَكُمْ أَنَّكُمْ تَثْبُتُونَ فِي رُوحٍ وَاحِدٍ، مُجَاهِدِينَ مَعًا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ لإِيمَانِ الإِنْجِيلِ» (١: ٢٧). وبعد بضع آيات، أوصاهم: «فَتَمِّمُوا فَرَحِي حَتَّى تَفْتَكِرُوا فِكْرًا وَاحِدًا وَلَكُمْ مَحَبَّةٌ وَاحِدَةٌ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، مُفْتَكِرِينَ شَيْئًا وَاحِدًا، لاَ شَيْئًا بِتَحَزُّبٍ أَوْ بِعُجْبٍ، بَلْ بِتَوَاضُعٍ، حَاسِبِينَ بَعْضُكُمُ الْبَعْضَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. لاَ تَنْظُرُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لآخَرِينَ أَيْضًا» (٢: ٢-٤). وفي جزء لاحق، أوصاهم أيضًا: «اِفْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ بِلاَ دَمْدَمَةٍ وَلاَ مُجَادَلَةٍ، لِكَيْ تَكُونُوا بِلاَ لَوْمٍ، وَبُسَطَاءَ، أَوْلاَدًا ِللهِ بِلاَ عَيْبٍ فِي وَسَطِ جِيل مُعَوَّجٍ وَمُلْتَوٍ، تُضِيئُونَ بَيْنَهُمْ كَأَنْوَارٍ فِي الْعَالَمِ» (٢: ١٤-١٥). وفي الأصحاح الرابع، حثَّ أفودية وسنتيخي، اللتين من الواضح أنه كان بينهما خلاف غير محسوم، على «أَنْ تَفْتَكِرَا فِكْرًا وَاحِدًا فِي الرَّبِّ» (الآية ٢). ثم حثَّ الكنيسة بكاملها على ألا يهتموا «بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ [طلباتهم] لَدَى اللهِ» (الآية ٦). لكن، كانت تلك التحريضات أقرب إلى التشجيع أكثر من كونها توبيخًا.
فعندما فكَّر بولس في هذه الكنيسة المحبوبة التي كان يكتب إليها فاض فرحه. فهو لم يفكر في ظروفه بقدر تفكيره في أمانتهم (١: ٣-٥)، ولم يفكر في ضيقاته بقدر تفكيره في محبتهم (٢: ١-٢)، ولم يفكر في آلامه الجسدية بقدر تفكيره في ثباتهم الروحي (٢: ١٢-١٦). كذلك، فكَّر بولس في سخائهم غير الأناني عندما أرسلوا الدعم المادي إليه (٤: ١٤-١٦)، وفي «تقدُّمهم وفرحهم في الإيمان» (١: ٢٥)، وكذلك في «[إخوته] الأَحِبَّاءَ والمُشْتَاقَ إِلَيْهِم، [سروره وإكليله]» (٤: ١). ولذلك، أمكنه أن يقول بصدق تام: «أَشْكُرُ إِلهِي عِنْدَ كُلِّ ذِكْرِي إِيَّاكُمْ» (١: ٣).
وفي فيلبي ١: ٣-٨، قدَّم الرسول خمسة عناصر محدَّدة لفرحه الذي مصدره الروح القدس، من حيث علاقة هذا الفرح بالمؤمنين الآخرين، وسلَّط الضوء على فرح التذكُّر (الآية ٣)، وفرح التشفُّع (الآية ٤)، وفرح المشاركة (الآية ٥)، وفرح التوقُّع (الآية ٦)، وفرح المحبة (الآيتان ٧-٨).
فرح المحبة
«كَمَا يَحِقُّ لِي أَنْ أَفْتَكِرَ هذَا مِنْ جِهَةِ جَمِيعِكُمْ، لأَنِّي حَافِظُكُمْ فِي قَلْبِي، فِي وُثُقِي، وَفِي الْمُحَامَاةِ عَنِ الإِنْجِيلِ وَتَثْبِيتِهِ، أَنْتُمُ الَّذِينَ جَمِيعُكُمْ شُرَكَائِي فِي النِّعْمَةِ. فَإِنَّ اللهَ شَاهِدٌ لِي كَيْفَ أَشْتَاقُ إِلَى جَمِيعِكُمْ فِي أَحْشَاءِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ». (فيلبي ١: ٧-٨)
في هذه الآيات، بلغ ابتهاج بولس ذروته وهو يقدِّم عنصرًا خامسًا للفرح، ألا وهو المحبة. فلا يمكن أن يوجد فرح أعظم من ذلك الذي تُنتجه فيه المحبةُ العميقةُ، والثابتةُ، والصادقةُ تجاه الآخرين.
تشير كلمة Dikaios اليونانية (التي تُرجِمت إلى الفعل «يَحِقُّ») إلى ما يُجاوز مجرد الملاءمة، فهي تعبِّر عن الصواب الأخلاقي والروحي. وهي لا تشير فقط إلى ما هو متوقَّع، بل وإلى ما هو لازمٌ ومطلوبٌ. فقد كان «من الصواب» أمام الناس والله أن يفتكر بولس هذا من جهة قدِّيسي فيلبي المحبوبين.
الفعل «أَفْتَكِرَ» هو ترجمة لشكلٍ من أشكال الفعل phroneō، الذي معناه الأساسي أن يكون لدى أحدهم نزعة ذهنية أو توجُّه عقليٌّ معيَّن. فهو يشير إلى فعلٍ نابعٍ من العقل والإرادة، ولهذا تُرجِم في الترجمة العربية البستاني-فاندايك، وكذلك في ترجمة الملك جيمس الإنجليزية، إلى «يفتكر» أو «يُفكِّر». استخدم بولس هذا الفعل مرات عديدة أخرى في هذه الرسالة نفسها: مرتين في فيلبي ٢: ٢ («تَفْتَكِرُوا»، «مُفْتَكِرِينَ»)؛ فيلبي ٢: ٥ («فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هذَا الْفِكْرُ»)؛ فيلبي ٣: ١٥ («فَلْيَفْتَكِرْ»، «افْتَكَرْتُمْ»)؛ فيلبي ٣: ١٩ («يَفْتَكِرُونَ»)؛ فيلبي ٤: ٢ («تَفْتَكِرَا فِكْرًا وَاحِدًا»)؛ ومرتين أيضًا في فيلبي ٤: ١٠ («اعْتِنَاؤُكُمْ» [«اهتمامكم»]، «تَعْتَنُونَهُ» [«تهتمُّون»]). واستخدم بولس في الرسالة إلى رومية شكلًا من أشكال الفعل phroneō ثلاث مرات عند حثِّه على «أَنْ لاَ يَرْتَئِيَ [«يفكِّر في نفسه»] [أحد] فَوْقَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْتَئِيَ [يفكِّر]، بَلْ يَرْتَئِيَ إِلَى التَّعَقُّلِ، كَمَا قَسَمَ اللهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِقْدَارًا مِنَ الإِيمَانِ» (رومية ١٢: ٣).
من الواضح أن البشر يحبُّون بعقولهم. فالمحبة هي فكرٌ في المقام الأول. لكن في هذا المقطع، وسَّع بولس نطاق هذا المفهوم باستخدامه كلمة قَلْبِي، التي تشمل المشاعر أيضًا. في الكتاب المقدس، نجد العقل والقلب عادة مصطلحين مترادفين. حذَّر سليمان قائلًا: «فَوْقَ كُلِّ تَحَفُّظٍ احْفَظْ قَلْبَكَ، لأَنَّ مِنْهُ مَخَارِجَ الْحَيَاةِ» (أمثال ٤: ٢٣). ويُستخدم القلب في وضع الثقة في الله والإيمان به (أمثال ٣: ٥؛ إرميا ٢٩: ١٣؛ لوقا ٢٤: ٢٥؛ أعمال الرسل ٨: ٣٧)؛ وفي خدمته، وإطاعته، واتِّباعه (تثنية ١١: ١٣؛ ٢٦: ١٦؛ ١ملوك ٢: ٤)؛ وكذلك في عبادته وتسبيحه (عبرانيين ١٠: ٢٢). وهو أيضًا مستودعٌ لكلمة الله (مزمور ١١٩: ١١). كما يوصَى المؤمنون بأن يكون لهم قلب طاهر (مزمور ٥١: ١٠)، وقلب نقي (متى ٥: ٨)، وقلب طائع (مزمور ١١٩: ٣٦)، وقلب عابد (مزمور ٥٧: ٧)، وقلب غافر (متى ١٨: ٣٥)، وقلب محب (متى ٢٢: ٣٧؛ ٢تسالونيكي ٣: ٥).
عبَّر بولس عن محبته حتى لمؤمني كورنثوس غير الناضجين، والمتمركزين حول ذواتهم، والمحبين للعالم، فقال لهم في رسالته الثانية: «لاَ أَقُولُ هذَا لأَجْلِ دَيْنُونَةٍ، لأَنِّي قَدْ قُلْتُ سَابِقًا إِنَّكُمْ فِي قُلُوبِنَا، لِنَمُوتَ مَعَكُمْ وَنَعِيشَ مَعَكُمْ» (٢كورنثوس ٧: ٣). فإن محبة بولس لإخوته المؤمنين، حتى أولئك الذين خيَّبوا ظنه بشدة، جلبت له فرحًا شديدًا.
لم يكن صعبًا على الرسول أن يعتزَّ بمؤمني فيلبي المحبوبين في قلبِه. فقد تعذَّر عليه التفكير فيهم بأي طريقة أخرى بسبب كلِّ ما كانوا يعنونه له. ولذا، ذكَّرهم بأنه «فِي وُثُقِي، وَفِي الْمُحَامَاةِ عَنِ الإِنْجِيلِ وَتَثْبِيتِهِ، أَنْتُمُ الَّذِينَ جَمِيعُكُمْ شُرَكَائِي فِي النِّعْمَةِ». الكلمتان «الْمُحَامَاةِ» (apologia)، و«تَثْبِيتِهِ» (bebaiōsis) هما مصطلحان قانونيان. المصطلح Apologia، الذي جاءت منه الكلمة الإنجليزية apology («دفاع»)، والكلمة apologetics («علم الدفاعيات»)، يشير إلى خطاب يُلقَى بهدف الدفاع. ويشير المصطلح bebaiōsis إلى التثبيت أو الإثبات الإيجابي لحق الإنجيل. وفي هذا النص، تلمِّح الكلمتان إما إلى المرحلة الأولى من سَجن («وُثُق») الرسول، ومحاكمته في روما، التي دافع خلالها عَنِ الإِنْجِيلِ، وإما، بالمعنى الأعم، إلى دفاعه عن الإيمان طوال فترة خدمته. وفي الحالتين، أكَّد بولس أن كنيسة فيلبي ساندته بتفانٍ وبذلٍ، لتشجيعه، والتخفيف من معاناته، وتلبية احتياجاته بكلِّ وسيلة ممكنة. فقد كانوا شركاءه الروحيين، أي شركاءه في النعمة، بكلِّ معنى الكلمة.
استدعى بولس الله شاهدًا على اشتياقه القلبي الصادق إلى أهل فيلبي «فِي أَحْشَاءِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ». فقد أراد ألا تكون لديهم أيُّ تحفظات على شدة وصدق محبته لهم. كلمة «أَحْشَاءِ» هي ترجمة لكلمة splagchnon اليونانية، التي تشير حرفيًّا إلى الأعضاء الداخلية، وتحديدًا إلى الأمعاء. وقد استُخدِمت بهذا المعنى الحرفي والمادي مرة واحدة فقط في العهد الجديد للإشارة إلى انتحار يهوذا (أعمال الرسل ١: ١٨). لكنها تُستخدم في النصوص الأخرى بالمعنى المجازي لوصف المحبة الإيثارية المتفانية والحانية. وتُرجمت هذه الكلمة في نبوة زكريا إلى «بِأَحْشَاءِ رَحْمَةِ» (لوقا ١: ٧٨)؛ وهكذا تُرجِمت أيضًا في كولوسي ٣: ١٢؛ وفليمون ٧، ١٢، ٢٠؛ و١يوحنا ٣: ١٧؛ و٢كورنثوس ٦: ١٢؛ ٧: ١٥؛ وفيلبي ٢: ١.[١] استُخدِمت الكلمة العبرية المكافئة لهذه الكلمة على نحو مماثل لوصف مشاعر التعاطف (إشعياء ١٦: ١١؛ ٦٣: ١٥؛ إرميا ٣١: ٢٠)، ومشاعر الضيق أو اليأس الشديدين (مراثي ١: ٢٠؛ ٢: ١١)، وكذلك لوصف مشاعر المحبة الزوجية (نشيد الأنشاد ٥: ٤).
كان جميع المؤمنين في فيلبي -بلا استثناء- موضوع محبة بولس الشديدة، تلك المحبة التي كانت عميقة ونافذة لدرجة أنها كانت تعكس محبة يَسُوعَ الْمَسِيحِ نفسه. وقد أَسْهَمَ اعتناؤهم الدافئ والمتحنِّن به، الذي أثَّر فيه بشدة، في تعزيز تلك المحبة وإثرائها. وفي واقع الأمر، كانت هذه محبة فائقة للطبيعة، غرسها الرب سواء في قلب بولس أو في قلوبهم. فهي لم تكن أقل من «مَحَبَّةَ اللهِ [التي] قَدِ انْسَكَبَتْ فِي [قلوبهم] بِالرُّوحِ الْقُدُسِ» (رومية ٥: ٥). كتب بولس إلى أهل تسالونيكي عن هذه المحبة التي يعطيها الله، قائلًا: «وَأَمَّا الْمَحَبَّةُ الأَخَوِيَّةُ فَلاَ حَاجَةَ لَكُمْ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكُمْ عَنْهَا، لأَنَّكُمْ أَنْفُسَكُمْ مُتَعَلِّمُونَ مِنَ اللهِ أَنْ يُحِبَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا» (١تسالونيكي ٤: ٩).
ما الذي يسلب المؤمنين فرحهم الذي بحسب الكتاب المقدس؟ العامل الأول، والأهم إلى حد كبير، هو الخلاص الزائف. فلطالما احتوت الكنيسة على أناسٍ ليس إيمانهم حقيقيًّا (راجع متى ١٣: ٢٤-٣٠، ٣٦-٤٣؛ يعقوب ٢: ١٤-٢٦). ولأن الروح القدس غير ساكنٍ في هؤلاء المؤمنين الاسميين، لا يمكنهم التمتُّع بالفرح الذي بحسب الكتاب المقدس (غلاطية ٥: ٢٢). ربما يذهبون إلى الكنائس حيث تُعلَّم كلمة الله، وربما تكون لهم شركة مع مؤمنين حقيقيين. لكن لأنهم لا يعرفون الرب، لا يمكنهم اختبار فرحه. وإذا ضحكوا، سيكون ذلك للأسف «ضَحِكُ الْجُهَّالِ، [الذي هو] أَيْضًا بَاطِلٌ» (الجامعة ٧: ٦). لهذا السبب، حذَّر بولس تحذيرًا حزينًا، قائلًا: «جَرِّبُوا أَنْفُسَكُمْ، هَلْ أَنْتُمْ فِي الإِيمَانِ؟ امْتَحِنُوا أَنْفُسَكُمْ. أَمْ لَسْتُمْ تَعْرِفُونَ أَنْفُسَكُمْ، أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ فِيكُمْ، إِنْ لَمْ تَكُونُوا مَرْفُوضِينَ؟» (٢كورنثوس ١٣: ٥).
العامل الثاني الذي يسلب الفرح هو تأثير الشيطان وأعوانه من الأرواح الشريرة. حذَّر بطرس مستمعيه قائلًا: «اُصْحُوا وَاسْهَرُوا. لأَنَّ إِبْلِيسَ خَصْمَكُمْ كَأَسَدٍ زَائِرٍ، يَجُولُ مُلْتَمِسًا مَنْ يَبْتَلِعُهُ هُوَ» (١بطرس ٥: ٨). يحاول إبليس خداع المؤمنين بطرق كثيرة، من بينها المعلِّمون الكذبة. ومع أنه لا يستطيع أن يسلبهم الخلاص، لكنه يستطيع أن يسلبهم فرحهم، وكثيرًا ما ينجح في ذلك (وكذلك تَفْعَلُ خطاياهم؛ راجع مزمور ٥١: ١٢).
العامل الثالث الذي يسلب المؤمنين فرحهم هو نقص فهمهم لسيادة الله. فإن فزع المؤمنين، وقلقهم بشأن ظروفهم، وخوفهم ممَّا قد يخبئه لهم المستقبل، هو شكٌّ في سيادة الله، وقوَّته، ومحبته. وَعَدَ الله بأن يجعل «كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ [يحبُّونه]، الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ» (رومية ٨: ٢٨). ووَعَدَ الربُّ يسوع المسيح المتجسِّد قائلًا: «وَأَنَا أُعْطِيهَا [خرافي] حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ، وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي. أَبِي الَّذِي أَعْطَانِي إِيَّاهَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْكُلِّ، وَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي» (يوحنا ١٠: ٢٨-٢٩). وأوصى المؤمنين في الموعظة على الجبل بألا يهتمُّوا بشيء (متى ٦: ٢٥-٣٤؛ راجع فيلبي ٤: ٦). وفي الوعد الذي ربما يكون أحب الوعود وأثمنها على الإطلاق في الكتاب المقدس، قال يسوع: «لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ. أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ فَآمِنُوا بِي. فِي بَيْتِ أَبِي مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ، وَإِلاَّ فَإِنِّي كُنْتُ قَدْ قُلْتُ لَكُمْ. أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا، وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا» (يوحنا ١٤: ١-٣). تمثِّل سيادة الله للمؤمنين الحقيقة الشاملة التي تضع كلَّ الأمور في نصابها. وبفضل سيادة الله، يستطيع المؤمنون بثقة تامة أن «[يُلقوا] عَلَى الرَّبِّ [هَمَّهُم]، [عالمين أنه يعولهم]. [لأنه] لاَ يَدَعُ الصِّدِّيقَ يَتَزَعْزَعُ إِلَى الأَبَدِ» (مزمور٥٥: ٢٢).
عند تجاهُل تلك الحقيقة أو نسيانها، يُفقَد الفرح. على سبيل المثال، عندما نسي حبقوق النبي ذلك الحق العظيم، صرخ وهو في حالة يأس:
«حَتَّى مَتَى يَا رَبُّ أَدْعُو وَأَنْتَ لاَ تَسْمَعُ؟ أَصْرُخُ إِلَيْكَ مِنَ الظُّلْمِ وَأَنْتَ لاَ تُخَلِّصُ؟ لِمَ تُرِينِي إِثْمًا، وَتُبْصِرُ جَوْرًا؟ وَقُدَّامِي اغْتِصَابٌ وَظُلْمٌ وَيَحْدُثُ خِصَامٌ وَتَرْفَعُ الْمُخَاصَمَةُ نَفْسَهَا. لِذلِكَ جَمَدَتِ الشَّرِيعَةُ وَلاَ يَخْرُجُ الْحُكْمُ بَتَّةً، لأَنَّ الشِّرِّيرَ يُحِيطُ بِالصِّدِّيقِ، فَلِذلِكَ يَخْرُجُ الْحُكْمُ مُعْوَجًّا» (حبقوق ١: ٢-٤)
لكن عند نهاية نبوته، تغيَّر منظوره تغيُّرًا جذريًّا. فقال بعدما عاد إلى صوابه الروحي: «مَعَ أَنَّهُ لاَ يُزْهِرُ التِّينُ، وَلاَ يَكُونُ حَمْلٌ فِي الْكُرُومِ. يَكْذِبُ عَمَلُ الزَّيْتُونَةِ، وَالْحُقُولُ لاَ تَصْنَعُ طَعَامًا. يَنْقَطِعُ الْغَنَمُ مِنَ الْحَظِيرَةِ، وَلاَ بَقَرَ فِي الْمَذَاوِدِ، فَإِنِّي أَبْتَهِجُ بِالرَّبِّ وَأَفْرَحُ بِإِلهِ خَلاَصِي» (حبقوق ٣: ١٧-١٨).
العامل السلبي الرابع الذي يسلب الفرح هو عدم الصلاة. فالمؤمنون المتقاعسون عن الصلاة، حتميًّا تغيب عن أعينهم سيادة الله ومحبته ورعايته لهم. وهؤلاء المؤمنون إما يفقدون الرجاء، مثلما حدث لحبقوق لبعض الوقت، وإما يلجأون إلى مصادر أخرى طلبًا للمساعدة. في بعض الأحيان، يمكن طلب المساعدة من قادة الكنيسة (يعقوب ٥: ١٤-١٦)، لكن ينبغي ألا يحل ذلك محل صلوات المؤمن الشخصية، مثلما أوضح بولس لاحقًا في هذه الرسالة، قائلًا: «لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى اللهِ» (فيلبي ٤: ٦).
العامل الخامس لفقدان الفرح هو حالة الانحدار العاطفي التي تعقب الانتصارات الروحيَّة في كثيرٍ من الأحيان. فقد هزم إيليا أنبياء البعل الوثنيين على جبل الكرمل وقتلهم جميعًا (١ملوك ١٨: ٣٨-٤٠). لكن عندما هدَّدت الملكة إيزابل حياته، خاف؛ و«قَامَ وَمَضَى لأَجْلِ نَفْسِهِ، وَأَتَى إِلَى بِئْرِ سَبْعٍ الَّتِي لِيَهُوذَا، و ... أَتَى وَجَلَسَ تَحْتَ رَتَمَةٍ وَطَلَبَ الْمَوْتَ لِنَفْسِهِ، وَقَالَ: ʼقَدْ كَفَى الآنَ يَا رَبُّ. خُذْ نَفْسِي لأَنِّي لَسْتُ خَيْرًا مِنْ آبَائِي‘« (١ملوك ١٩: ٣-٤). ومع أن غالبية المؤمنين لا يختبرون انتصارات أو انحدارات جذرية إلى هذا الحد، فإنهم يختبرون بالتأكيد أنواعًا مماثلة من النجاحات والإخفاقات الروحية. ومثل هذه الأوقات تكون مفاجئة ومربكة، ويمكن أن تسلب فرح المؤمنين الغافلين.
العامل السادس الذي يسلب المؤمنين فرحهم هو التركيز على الظروف. فرغم البركات الوافرة التي يتمتع بها جميع المؤمنين في الرب، يستاء كثيرون منهم من ظروفهم، ويشعرون بعدم الرضا عن إمكانياتهم الجسدية أو العقلية، أو عن مظهرهم، أو عن الفرص التي تُتاح لهم، أو عن الأمور الأخرى التي لا تحصى التي لا يملكونها غير أنهم يظنُّون أنهم يستحقونها. وَعَدَ يسوع قائلًا: «سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا. لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ» (يوحنا ١٤: ٢٧). وَضَعَ بولس هذا الوعد نصب عينيه طوال الوقت، ولذلك، كان موقفه من الأمور الزائلة وغير الأبدية واضحًا لا لبسَ فيه: «فَإِنِّي قَدْ تَعَلَّمْتُ أَنْ أَكُونَ مُكْتَفِيًا بِمَا أَنَا فِيهِ. أَعْرِفُ أَنْ أَتَّضِعَ وَأَعْرِفُ أَيْضًا أَنْ أَسْتَفْضِلَ. فِي كُلِّ شَيْءٍ وَفِي جَمِيعِ الأَشْيَاءِ قَدْ تَدَرَّبْتُ أَنْ أَشْبَعَ وَأَنْ أَجُوعَ، وَأَنْ أَسْتَفْضِلَ وَأَنْ أَنْقُصَ» (فيلبي ٤: ١١- ١٢).
العامل السلبي السابع الذي يسلب المؤمنين فرحهم هو الجحود، أي عدم الامتنان ونكران النعمة. فالجحود هو من أكثر الأمور المنفِّرة. أوصى بولس المؤمنين بأن تكون الصلوات والدعوات التي يرفعونها إلى الله مصحوبةً بالشكر (فيلبي ٤: ٦). وفي رسالته الأولى إلى تسالونيكي، حثَّ المؤمنين قائلًا: «اشْكُرُوا فِي كُلِّ شَيْءٍ، لأَنَّ هذِهِ هِيَ مَشِيئَةُ اللهِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ مِنْ جِهَتِكُمْ» (١تسالونيكي ٥: ١٨). إن الخطاة المتمرِّدين يدانون، ويُحكَم عليهم بالدينونة الإلهية، بسبب جحودهم (رومية ١: ١٨-٢١).
العامل الثامن لغياب الفرح هو النسيان. ليس نسيانُ المرء للرب علامةً على السذاجة أو الجهل، بل علامة على عدم الإيمان والخطية. ذكَّر داود نفسَه وجميع المؤمنين بهذه الكلمات: «بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَلاَ تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ» (مزمور ١٠٣: ٢). وليس المؤمنون الجدد هم الذين يثيرون الخلافات الروحية المسبِّبة للانقسامات، بل يثيرها الذين تركوا محبتهم الأولى. حذَّر الرب المؤمنين المحافظين، والمجتهدين، والمثابرين في أفسس، قائلًا: «لكِنْ عِنْدِي عَلَيْكَ: أَنَّكَ تَرَكْتَ مَحَبَّتَكَ الأُولَى. فَاذْكُرْ مِنْ أَيْنَ سَقَطْتَ وَتُبْ، وَاعْمَلِ الأَعْمَالَ الأُولَى، وَإِّلاَّ فَإِنِّي آتِيكَ عَنْ قَرِيبٍ وَأُزَحْزِحُ مَنَارَتَكَ مِنْ مَكَانِهَا، إِنْ لَمْ تَتُبْ» (رؤيا ٢: ٤-٥).
العامل التاسع الذي يسبِّب فقدان الفرح هو السلوك بمشاعر غير منضبطة، والسلوك بالجسد وليس بالروح. قال د. مارتن لويد جونز (Martyn Lloyd-Jones) في كتابه بعنوان Spiritual Depression: Its Causes and Cure («الاكتئاب الروحي: أسبابه وعلاجه») الكلمات التالية:
أرى أن المشكلة الرئيسية في مسألة الاكتئاب الروحي هي أننا نسمح لنفوسنا بأن تتحدَّث إلينا بدلًا من أن نتحدث نحن إلى نفوسنا. ... هل تدرك أن قدرًا كبيرًا من تعاستك في الحياة سببه أنك تستمع إلى نفسك بدلًا من أن تتحدث إليها؟ ... فالمهارة الأساسية في الحياة الروحية هي أن تعرف كيفية التعامل مع نفسك.[٢]
لكن التحدُّث السليم للمرء مع نفسه لا يعني تمركُزه حول ذاته، أو تحليله المرضي لنفسه، اللذين هما اثنان من أسوأ الآفات التي ابتلانا بها علم النفس الحديث. فعلى عكس ما يروِّجه العالمُ باستمرار، يُعَد التمركز حول الذات أكبر مصدر للاستياء وعدم الشعور بالرضا. كذلك، لا ينطوي التحدث السليم إلى النفس على نوعٍ من «الكلام الإيجابي» الذي يُزعَم أنه يغيِّر الواقع. فهذه حماقة. بل يتعلَّق الأمر كلُّه بتحدُّث المرء إلى نفسه عن الله، وعن كلمته، وعن مشيئته.
السبب العاشر والأخير لغياب الفرح هو عدم الرغبة في قبول الغفران. بحسب الظاهر، يمكن لهذا الموقف أن يبدو وكأنه اتضاعٌ، لكنه أبعد ما يكون عن ذلك. فهو، في الحقيقة إهانة لبرِّ الله، ولتعليم كلمته الواضح. أوضح الرب جليًّا أنه: «إِنْ [غفر المؤمنون] لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، يَغْفِرْ [لهم] أَيْضًا [أبوهم] السَّمَاوِيُّ. وَإِنْ لَمْ [يغفروا] لِلنَّاسِ زَّلاَتِهِمْ، لاَ يَغْفِرْ [لهم أبوهم] أَيْضًا [زلاتهم]» (متى ٦: ١٤-١٥). وقال داود إنه «كَبُعْدِ الْمَشْرِقِ مِنَ الْمَغْرِبِ أَبْعَدَ [الربُّ] عَنَّا مَعَاصِيَنَا» (مزمور ١٠٣: ١٢). وكتب يوحنا: «إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ» (١يوحنا ١: ٩؛ راجع ٢: ١٢). هذا الحق الأساسي وحده سبب كافٍ لعدم افتقار المؤمن البتة إلى الفرح.
من منظور عكسي إلى حد ما، يعلِّم الكتاب المقدس أيضًا حقًّا مذهلًا يجعل المرء أكثر تواضعًا. هذا الحق هو أن المؤمنين الأمناء والطائعين ليسوا فقط يحصلون على الفرح مِنَ الله، بل ولديهم القدرة أيضًا على جَلْبِ الفرح لله. إنه أمرٌ يفوق الإدراك أن يَفرح إلهُنا غير المحدود، والقدوس، وكلي القدرة بأولاده؛ غير أن كلمته تعلِّم بأنه يَفْرَحُ بهم بالفعل.
يَفْرَحُ الله عندما يتوب غير المؤمنين ويرجعون عن خطاياهم إليه. قال يسوع: «أَقُولُ لَكُمْ: ... إِنَّهُ هكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارًّا لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ» (لوقا ١٥: ٧؛ راجع الآية ١٠). وإنه «بِالإِيمَانِ نُقِلَ أَخْنُوخُ لِكَيْ لاَ يَرَى الْمَوْتَ، وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ نَقَلَهُ. إِذْ قَبْلَ نَقْلِهِ شُهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ قَدْ أَرْضَى اللهَ» (عبرانيين ١١: ٥).
كذلك، يفرح الله بصلوات أولاده، وعبادتهم، وسلوكهم بالبرِّ. فإن «ذَبِيحَةُ الأَشْرَارِ مَكْرَهَةُ الرَّبِّ، وَصَلاَةُ الْمُسْتَقِيمِينَ مَرْضَاتُهُ ... كَرَاهَةُ الرَّبِّ مُلْتَوُو الْقَلْبِ، وَرِضَاهُ مُسْتَقِيمُو الطَّرِيقِ» (أمثال ١٥: ٨؛ ١١: ٢٠). وأمام «كُلِّ الْمَجْمَعِ» (أي كلِّ جماعة إسرائيل)، اعترف داود قائلًا: «وَقَدْ عَلِمْتُ يَا إِلهِي أَنَّكَ أَنْتَ تَمْتَحِنُ الْقُلُوبَ وَتُسَرُّ بِالاسْتِقَامَةِ. أَنَا بِاسْتِقَامَةِ قَلْبِي انْتَدَبْتُ بِكُلِّ هذِهِ، وَالآنَ شَعْبُكَ الْمَوْجُودُ هُنَا رَأَيْتُهُ بِفَرَحٍ يَنْتَدِبُ لَكَ» (١أخبار الأيام ٢٩: ١، ١٧). فعلى الرغم من خطايا داود الكثيرة وسقطاته، كان قلبه مستقيمًا، فجَلَبَ الفرح للرب. وفي حقيقة الأمر، دعاه الله «رَجُلاً حَسَبَ قَلْبِهِ» (١صموئيل ١٣: ١٤). كذلك، في مَثَلِ الوزنات، وَعَدَ المسيح الذين يعيشون بأمانة له بأن يكون لهم نصيب يومًا ما في فرحه: «فَقَالَ لَهُ سَيِّدُهُ: ’نِعِمَّا أَيُّهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ وَالأَمِينُ! كُنْتَ أَمِينًا فِي الْقَلِيلِ فَأُقِيمُكَ عَلَى الْكَثِيرِ. اُدْخُلْ إِلَى فَرَحِ سَيِّدِكَ‘« (متى ٢٥: ٢١؛ راجع الآية ٢٣).
كلُّ ذلك يقود إلى الاستنتاج الذي لا مفرَّ منه، وهو أن شركة شعب الله معًا يجب أن تكون شركة فرح. فإن فرح غير المؤمن يأتي من الخارج، أما فرح المؤمن فيأتي من الداخل. وعلى الرغم من أحزان الحياة الحتمية، وإحباطاتها، وآلامها، يمكن للمؤمنين دائمًا أن يكونوا فرحين. فالفرح الكتابي لا يعتمد على الظروف، لأنه عطية الروح القدس (غلاطية ٥: ٢٢).
[١] [المترجم]: في ترجمات أخرى غير ترجمة البستاني-فاندايك، تُرجمت هذه الكلمة إلى «رحمة» و«رأفة» و«تحنُّن».
[٢] Dr. Martyn Lloyd-Jones, Spiritual Depression: Its Causes and Cure (Grand Rapids: Eerdmans, ١٩٦٥), ٢٠–٢١.
تفسير الكتاب المقدّس - جون ماك آرثر (جون ماك آرثر)
١: ٧ قلب. كلمةٌ تُستعمَل كثيرًا في الكتاب المقدَّس للدَّلالة على مركز الأفكار والمشاعر (رج أم ٤: ٢٣).
المحاماة... تثبيت. لفظان قضائيَّان يُشيران إمّا إلى المرحلة الأُولى من مُحاكمة بولس في روما، تلك التي فيها دافع عن خدمته للإنجيل، وإمّا بمعنًى عامٍّ إلى دفاعه الدائم عن الإيمان، ذاك الذي كان قلبَ خدمته.
شركائي في النِّعمة. رج ح ع ٥. في أثناء سَجن الرسول بولس، أرسل إليه الفيلبيُّون مالاً وخدماتِ أبفرودِتُس كي يدعموه، مُشارِكين بذلك في البركة التي أنعم بها الله على خدمته (رج ٢: ٣٠).
الرجاء إدخال تعليقك أو فسّر عن المشكلة التي واجهتها في الأسفل.